تشهد أميركا ثورة جديدة. وهي لا تتعلق بحزب الشاي أو باحتجاجات حركة «احتلوا وول ستريت» الصاخبة. بل تتعلق باكتشاف احتياطيات هائلة جديدة من الغاز والنفط والفحم في كل مكان منها تقريباً، ويرجع ذلك إلى استخدام أساليب تنقيب واستغلال متطورة، مثل التكسير والحفر الأفقي. وتجعل الأسعار الحالية، التي تزيد على 100 دولار للبرميل الواحد، بذل جهود معقدة في سبيل الاستخراج أمراً مربحاً للغاية.

ولطالما كان معروفاً أن هناك المزيد من الاحتياطيات غير المستغلة من النفط والغاز في منطقة خليج المكسيك الغنية بالنفط، وقبالة شواطئ أميركا، وفي الغرب الأميركي وألاسكا، ولكن حتى كبار خبراء الطاقة لم يتصوروا أبدا مدى ضخامة حجم الطاقة الموجودة هناك، أو في الأماكن الأقل ترجيحاً، بما في ذلك ولايات ساوث داكوتا وبنسلفانيا وأوهايو ونيويورك. وتشير بعض الدراسات إلى أن الولايات المتحدة قد وسعت الآن احتياطاتها المحتملة والمعروفة من الغاز والنفط بواقع عشرة أضعاف.

وتعد الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية لهذه الاكتشافات الجديدة أمراً مذهلاً، وهي تذكرنا باقتصاد أميركا الذي كان في وقت من الأوقات مكتفياً ذاتياً على صعيد الطاقة، وبالتالي واثقاً بنفسه، مما ساعده على الارتقاء إلى مستوى الهيمنة العالمية في أوائل القرن العشرين.

وعما قريب، ستتمكن أميركا مجدداً من توفير جميع احتياجاتها المحلية من الغاز الطبيعي، وربما على امتداد السنوات التسعين المقبلة في ظل معدلات الاستهلاك الحالية. وقد أضحت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة مصدراً صافياً للغاز المكرر ووقود الديزل، كما خفضت بالفعل استيراد النفط من دول «أوبيك» بمقدار مليون برميل يوميا.

ومع توسع عمليات التنقيب والحفظ، فقد يصبح بمقدور الولايات المتحدة أيضا أن توفر نصف احتياجاتها النفطية الخاصة في نهاية المطاف. وفي حال تمكنا من استبعاد خمسة ملايين برميل فقط من التسعة ملايين برميل من النفط التي نستوردها يومياً في الوقت الحالي، فقد نحقق وفورات سنوية تصل إلى ما يقرب من 200 مليار دولار سنويا. وفي النهاية، قد تسهم الاحتياطات الجديدة من الغاز والنفط في إضافة 1,6 مليون فرصة عمل جديدة وما يقرب من تريليون دولار من الإيرادات الفيدرالية.

ومن شأن هذه الثروة المفاجئة أن تخفض العجز التجاري السنوي الذي تعاني منه أميركا في الوقت الراهن بحوالي الثلث، بصرف النظر عن الإيرادات الإضافية التي ستنجم عن عمليات تصدير الغاز الطبيعي الجديدة. وبذلك، تصبح «الاستثمارات» و«فرص العمل الجاهزة» و«التحفيز» أكثر من مجرد شعارات فارغة.

غير أن الاكتشافات النفطية الجديدة لا تحدث في أميركا فحسب. إذ يشهد نصف الكرة الغربي بأكمله طفرة في الوقود الأحفوري، بدءاً من شمال كندا ووصولاً الى البرازيل والارجنتين. وقريباً سيضاهي الفناء الخلفي لأميركا منطقة الخليج الغنية بالنفط، مما سيسهم في إبقاء المزيد من أموال أميركا، وجنودها.

 ومن المتوقع أيضاً أن تضمحل الهجرة غير الشرعية، في الوقت الذي ستجني الاقتصادات الغنية بالنفط في أميركا اللاتينية الطفرات النقدية الضخمة. وسيصبح الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز قريبا واحداً من العديد من المصدرين الإقليميين للنفط.

ومن الممكن أن تتحرر الأزمات الراهنة التي تواجهها السياسة الخارجية الأميركية من قيود الخوف من التهديد بقطع الصادرات من النفط أو رفع الأسعار.

ومن الممكن كذلك أن تتوقف الإعانات الاتحادية المكرسة للمحاولات غير المجدية في ما يخص إنتاج وقود الإيثانول من الذرة في الغرب الأوسط الأميركي. وذلك من شأنه أن يوفر لوزارة الخزانة الأميركية مليارات الدولارات، وأن يسمح لملايين الفدادين الأميركية بالعودة إلى إنتاج الغذاء لإمداد عالم الجوع المتنامي.

وقد أثبتت جهود ادارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لدعم الطاقة «الخضراء» حتى الآن أنها في آن غير اقتصادية وعرضة للفساد في بعض الأحيان، كما ظهر لنا في قضية «سوليندرا». ومع ذلك، فقد يتيح كل من الغاز والنفط استراحة ضرورية لأميركا إلى حين يتم التوصل إلى تكنولوجيا أفضل تساعد على توفير طاقة الرياح والطاقة الشمسية والكهربائية بأسعار أكثر تنافسية، دون الحاجة إلى الإعانات الفيدرالية الضخمة والانخفاض الملحوظ في مستوى المعيشة.

وبالطبع، فإن هناك مصالح كبيرة تتعارض مع اكتشافات الغاز والنفط الأميركية الحديثة، وليس جميعها مرتبط بحكومات أجنبية، وإنما ينعكس بعضها في سياسة إدارة أوباما الحالية لوقف خطوط الأنابيب الجديدة، وتعليق نشاط الحفر البحري، ووضع الأراضي الفيدرالية المربحة خارج دائرة التطوير. وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة إذا لم تنتج قدراً كبيراً من الوقود الذي تستخدمه، فهل ستوفر الدول الأخرى المصدرة للنفط حماية أفضل للبيئة مقارنة بشركات النفط الأميركية؟

بالنسبة إلى الفقراء والعاطلين عن العمل الأميركيين، ما مدى ليبرالية المحافظة على ارتفاع أسعار الطاقة في حين توقف الملايين من وظائف القطاع الخاص ذات الرواتب العالية، والتي من شأنها أن تخفض ما تنفقه الحكومة من استحقاقات وأن تمكن الطبقات الكادحة؟

وفي الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية، تهيمن قضايا ثلاث، وهي: الأمن الوطني والملاءة المالية وارتفاع معدلات البطالة. ومن شأن تطوير اكتشافات الغاز والنفط الواسعة في أميركا أن يعالج جميع تلك القضايا دفعة واحدة. ويصعب تصديق فكرة توسيع إنتاج الولايات المتحدة للغاز والنفط إلى حد كبير في القرن الواحد والعشرين بقدر ما يصعب تصديق ما تبديه إدارة أوباما حالياً من تردد في استغلال الثروة الأميركية المفاجئة.