عام من التحولات العربية بالعين الإسرائيلية

ت + ت - الحجم الطبيعي

في ديسمبر الجاري، تكون قد انقضت سنة كاملة على انطلاق المظاهرات العارمة التي اجتاحت تونس الخضراء، وأدت في نهايتها لهروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وبداية لعملية تراكمية تسلسلية فتحت الطريق على ما أسماه الكثيرون بـ"الربيع العربي"، والذي انقلب عند البعض حتى باتوا يسمونه بـ"الشتاء العربي"، خصوصاً بعد الحدث الليبي الذي لم يبدأ بحراك شعبي حقيقي، بل بدأ بمدخل عسكري مسلح في مدينة بنغازي، وانتهى مع دخول قوات الناتو على الخط العسكري المباشر لإسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

فالتحولات التي بدأت في العالم العربي قبل عام مضى، انطلقت من تونس لتصل إلى مصر، ومن بعدها اليمن وليبيا وغيرها... فكل واحدة من تلك الدول العربية تميزت بخصوصية معينة، لها علاقة بطبيعة النظام القائم وعلاقة السلطة المركزية بمواطنيها، كما لها علاقة بشبكة العلاقات المحيطة لكل بلد منها، مع الجوار ومع الأطراف الإقليمية الفاعلة في التأثير على مجريات الأمور في منطقة الشرق الأوسط.

إن الرؤية الإسرائيلية لطبيعة التحولات الجارية في العالم العربي واحتمالاتها ومآلاتها المتوقعة، معقدة ومربكة وغير موحدة حتى الآن.

فهناك من يرى فيها (وهو تيار متواضع الحضور) تحولات إيجابية، قد تفتح طريق عملية التسوية وأبواب إسرائيل إلى العالم العربي بأسره. وبين من يرى فيها أمراً مقلقاً يزيد من منسوب الارتباك الإسرائيلي، مع احتمالات قوية لإمكانية توالد وبناء نظام ديمقراطي حقيقي في عدد من البلدان العربية، وهو ما يخيف إسرائيل بالطبع، التي اعتادت التعامل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مع أنظمة استبدادية لا دور للناس ولا رأي للشارع فيها.

 وهناك من يرى في تلك التحولات عودة لـ"فوبيا الإسلام والإرهاب"، وما تسمية مراكز القرار الأمني والسياسي الإسرائيلي بـ"البعبع الإسلامي" الذي نهض من قمقمه، باعتباره الحالة البديلة (من قبل الغالبية السياسية والأمنية الإسرائيلية) للنظم ،وحتى النظم العلمانية في العالم العربي. وهو ما حدا بواحد من الكتاب الإسرائيليين للصراخ بصوت عال، في مقال نشرته إحدى المطبوعات مؤخراً، والقول "لا توجد ثورات مخملية عربية، ففي الأفق لا يوجد مارتن لوثر كينغ ولا المهاتما غاندي ولا فاتسلاف هافل في العالم العربي، فالإسلام المتطرف والعاصفة الإسلامية هي التي تسود الآن".

وبشكل عام، ومن الوجهة الإسرائيلية الغالبة عند صناع القرار، فإن فوز أحزاب التيارات الإسلامية في بلدان عربية عدة، أحدث وضعاً استراتيجياً جديداً تماماً في المنطقة، ليصبح مضيق جبل طارق الذي يصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، تحت سيطرة حكومة إسلامية في المغرب بقيادة حزب العدالة والتنمية، ولتصبح أربعة ممرات إستراتيجية هي: المضائق التركية، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز، تحت سيطرة حكومات إسلامية.

وفي حقيقة الأمر، فإن مصدر الصداع الإسرائيلي الرئيسي، يدور حول التحولات الجارية في مصر قبل غيرها، نظراً لدور مصر التاريخي في العالم العربي، ولثقلها وحجمها وتأثيرها، فضلاً عن الخوف من إمكانية تداعي معاهدة كامب ديفيد الموقعة عام 1979، حيث يلوح من وجهة نظرها في أفق مصر نظام "إسلامي/ متطرف دوغمائي"، ومصمم على مواجهة السلطة السابقة وحليفتيها الولايات المتحدة وإسرائيل، مستفيداً من كل الطرق الديمقراطية والدبلوماسية، للامتناع عن اقتطاع المساعدة الأميركية، ولاكتساب الشرعية الدولية، وصولاً لإلغاء معاهدة كامب ديفيد، وهو أمر سيجلب الكوارث على إسرائيل في حال تم تحقيقه.

إن إسرائيل التي تخشى في كل الحالات حدوث تطورات جدية وملموسة في العالم العربي، سعت لتحريض الغرب والولايات المتحدة للإيغال في العبث بتلك التحولات، وإعادة إنتاج الأنظمة السابقة بنسخة كرتونية أشد سوءاً من سابقتها. ولعل الدخول الأميركي على خط الأوضاع المصرية، واضح جداً عبر التأثير المباشر على المجلس العسكري الأعلى، حتى وإن كانت تلك التأثيرات بعيدة بحدود معينة، عن التأثير الأميركي على مصر زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك.

في هذا السياق، إن تياراً من المفكرين من صفوف الأنتلجنسيا الإسرائيلية، يدعو لإطلاق مسيرة التسوية مع الفلسطينيين بسرعة وتقديم "تنازلات..؟"، قبل أن تتعقد الأمور في المنطقة أكثر فأكثر، فدعاة هذا التيار يعتقدون أن "الإسرائيليين، بخلاف العرب، هم مواطنو ديمقراطية ليبرالية لا تزال تحترم حقوقهم وحرياتهم. لكن توجد أشياء مشتركة بين الظاهرتين أيضا، فالعالم العربي والشعب اليهودي أيضا، لم تجرِ عليهما ثورة العلمنة المنظمة التي جرت على أوروبا النصرانية، وفي البلدان العربية وفي إسرائيل أيضا لم يتم فصل حقيقي بين الدين والدولة، فالمسجد والكنيس لم يُبعدا عن السياسة.

ولهذا بقي عنصر ديني عميق في الهوية العربية وفي الهوية اليهودية أيضا، وهذا يؤدي إلى أن يكون الرد حينما تنهار القومية العربية العلمانية، هو العودة إلى الله. وحينما تنتقض القومية اليهودية العلمانية، يكون الرد العودة إلى رب الجيوش. فالعرب والإسرائيليون أيضا يعودون إلى ماض مظلم حاولوا الهرب منه".

أخيرا، إن إسرائيل وقياداتها وصناع القرار فيها، تدرك أن فلسطين لم تكن على جدول البرامج الانتخابية في تونس ومصر والمغرب... الخ، وقد غابت عن شعارات ويافطات الثورات العربية، لكنها كانت قابعة في ضمير كل ناخب عربي.

وبدورنا، وحتى نزيد من مستويات القلق والصداع في صفوف العدو التاريخي الراهن للمنطقة وعموم شعوبها، نقول بأن مشروع النهوض العربي والتحول الديمقراطي في عموم بلادنا، يجب أن يلحظ دور الجميع، خصوصاً التيارات الوطنية القومية التي كافحت تلك الأنظمة الاستبدادية في ظروف قاسية وصعبة، وبالتالي فان منطق "الأبلسة" من قبل العلمانيين للإسلاميين أو من قبل الإسلاميين للعلمانيين، أمر غير مقبول على الإطلاق، مع ضرورة التمييز بين ما يجري من بلد عربي إلى بلد عربي آخر (فليس كل ما يلمع ذهباً).

وحتى لا يتحول الربيع العربي إلى شتاء ومآسٍ جديدة، فليكن "الاجتهاد وصندوق الاقتراع خير بضاعة"، وعلى من لم يحالفه الحظ أن يقف أمام برنامجه ودوره بين الناس، ليسارع إلى تصحيحهما بدل الصيد في مياه الآخرين. وعلى الأحزاب الليبرالية واليسارية والقومية، أن تلتفت إلى حالها المفككة، وإلى النخبوي البعيد عن الحس الشعبي، حتى تعود إلى دائرة الحضور في النتائج الانتخابية القادمة.

طباعة Email