تأكيداً لما تناقلته كبرى وكالات الأنباء العالمية، وما حفلت به الصحافة المحلية والدولية، وما أجمعت عليه آراء مواقع التواصل الاجتماعي، بأن المحاضرة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للنخب بمناسبة العيد الوطني، تعتبر أهم حدث محلي في عام 2011، وذلك لجملة أسباب، لعل من أهمها توقيتها، ومن وجهت له، ثم المضامين الفكرية والدلالات الثقافية والتاريخية والمجتمعية، التي تضمنتها هذه المحاضرة الوثيقة.

 لقد تابعت عن كثب بعين المشاهد هذه الملحمة التاريخية، والتي يمكن أن نطلق عليها عن جدارة "وثيقة دبي"، أقول تابعتها بدقة في محاولة لاتباع تقنيات المنهج العلمي، لتحليل المضمون واستخلاص الدلالات التي انطوى عليها هذا الخطاب المهم، ورغم ما كتب وما سيكتب عن الخطاب، ففي ظني أن ما جعلني أعتبره "وثيقة" يتلخص في أربع نقاط، شكلت الدلالات التي انطوت عليها المحاضرة، وهي:

* القيادة الملهمة وفن الحوار مع الآخر.

* استقراء التاريخ وجعله منصة انطلاق صوب المستقبل.

* تحميل المسؤولية الوطنية للشباب.

* الكيفية التي تتحول بها الأحلام إلى واقع

إن القيادة الملهمة هي التي تجيد فن التواصل الخلاق مع المواطن، وهي الإحساس المتعاظم بالمسؤولية، وهي المصداقية والشفافية، وهي الالتزام والانتماء المطلق للوطن، دفاعاً عن حق المواطن، وأن الأحلام يمكن أن تتحول إلى واقع، بالإرادة الصلبة والعزيمة التي لا تلين ولا تستسلم للتحديات.

بأدب رفيع، وبذوق سليم، وبثبات الواثق، ابتدر القائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حديثه واقفاً، بعيداً عن المنصة التي أعدت ليجلس عليها، لكنه من منطلق سيكولوجي، تعمد تجنبها مفضلاً التواصل المباشر مع الحضور، ليكون أكثر قرباً وفهماً وتفاعلاً، وهو مفهوم متقدم للقيادة الذكية واللماحة، وفي سياق استرجاع خاطرة الحلم، عرفنا الكيفية التي استطاع بها سموه الكريم تحويل رؤاه إلى واقع، وهو يسرد سؤال الطالبة الجامعية، والتي أثق أنها أدركت كيف يحدث هذا التحول.. أي كيف يمكن لقائد ملهم أن يحول أحلامه إلى واقع..

لقد استطاع محدثنا بفطنة، بعد أن شرح باستفاضة كشاهد عيان للمشهد والوقائع التاريخية في "عرقوب السديرة"، حيث بدأ المخاض الصعب لأهم تجربة اتحادية عربية في العصر الحديث، استطاع بلباقة وبنقلة سلسة، أن يعبر بنا الخارطة الجيوسياسية لمجتمع الإمارات.. ليدغدغ أحاسيسنا بأبيات من شعره الجميل، ليخفف على الحضور معاناة الماضي المكثف، وليحلق بالحضور في أجواء أكثر رحابة وإمتاعاً، وكأنه أراد أن يقول لنا إن الشعر جزء لا يتجزأ من المعاناة، وإن معاناة الأجداد لا بد أن تبقى في سياق منظومة الموروث الحضاري لمجتمع الإمارات، وأن الشعر عندئذ وإلى اليوم، كان رديفاً للتشبع بالألم، ومبعثاً للإحساس بالجمال المطلق.

لقد كان القصد من استلهام التاريخ في تلك الظروف الصعبة مدخلاً رائعاً، لتذكير غالبية الحضور من جيل الشباب بماضي جدودهم، وإفهامهم أن الحاضر وكل الخير الذي يعيشونه الآن لم يهبط من السماء، ولكنه كان ثمرة لتلك المعاناة، ويقيني أن الشباب أدركوا لماذا تمت دعوتهم بهذه الكثافة، ذلك أنهم دون غيرهم هم المعنيون أساساً بهذا الخطاب المهم، في سياق رؤية سموه الاستشرافية.

كنت أطالع الوجوه وهي تتابع الخطاب بتركيز واهتمام، فبدا واضحاً ثراء المخزون المعرفي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، وقدرته الفائقة على جذب انتباه من يستمع إلى حديثه وصوته المعبر.. ويضاف إلى ذلك الإلمام التام بأدوات الخطابة، ومهارة الحبك والانتقال السلس من نقطة إلى أخرى، بوعي ويقظة وانتباه، بدليل أن الحوار استغرق نحو ساعتين دون أن يحس أحد من الحضور بمرور الوقت، لغزارة ودقة المعلومات، فضلاً عن أسلوب السرد الذي أتحفنا به محدثنا بلباقة واقتدار، وهو يتجول بين الحضور، مما جعل كل فرد يحس أن الحديث موجه له هو شخصياً.

وقبل أن يختم صاحب السمو الشيخ محمد خطابه، الذي نأمل أن يتم طبعه وتوزيعه على أوسع نطاق، أراد أن يستشرف آفاق المستقبل ليذكر الشباب بأن الاحتفالية بالعيد الأربعيني، ما هو الا جسر عبور صوب مستقبل واعد، مؤكداً أنه بحلول اليوبيل الخمسيني تكون دولة الإمارات العربية المتحدة قد احتلت عن جدارة موقع الريادة بين دول المقدمة، كما بشرت بذلك الرؤية الاستراتيجية 2030، وحتى ذلك الوقت سنبقى على موعد مع الحلم ليتحقق، ومع التاريخ ليسجل.