جمعة الاتحاد.. تظاهرة إماراتية عربية

لا يمكن الحديث عن الاحتفال الرسمي والشعبي الكبير بالعيد الأربعين لميلاد دولة اتحاد الإمارات العربية المتحدة، الذي نشهده اليوم في كل إمارات الدولة، دون أن نذكر بالإكبار أولئك الرجال الكبار صناع هذا الحدث التاريخي الكبير.

وفي مقدمتهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، مع إخوانهما حكام الإمارات، في ذلك اليوم الخالد الذي شهد هذا الميلاد في الثاني من ديسمبر عام واحد وسبعين، فمن الإنصاف التاريخي أن نذكر الفضل لأهله..

لقد كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، هو الداعي الأول لهذا الاتحاد، انطلاقاً من فكره الوحدوي النابع من القيم الإسلامية الداعية إلى التوحيد، ومن الضرورات الوطنية الدافعة إلى الاتحاد، ومن الأهداف القومية الساعية إلى الوحدة، ولم يكن لهذه الدعوة أن تتجسد بهذه الصورة الجماعية الزاهية الحالية، لولا استجابة الشيخ راشد، رحمه الله، وإخوانه الحكام لهذه الدعوة الوحدوية.

لقد كان حلم زايد التوحيدي غير محدود بحدود دولته، بل يمتد بامتداد حدود أمته، ولهذا جاء مسار حركته لتحقيق تلك الأهداف وتجسيد تلك الطموحات، ذا اتجاهات ثلاثة؛ وطنية وإقليمية وقومية. وكان من الطبيعي أن يكون الاتجاه الأول على الصعيد الوطني الإماراتي، ليتبع ذلك الإنجاز التاريخي بسنوات دعوته لتأسيس مجلس التعاون الخليجي العربي، وظل لآخر لحظة في حياته يدعو للاتحاد العربي.

ومن بشائر الخير أن يأتي يوم الاحتفالات بالعيد الأربعين التي تشهدها البلاد اليوم، توافقا مع يوم الجمعة، وهو في حد ذاته دعوة للتجمع والاتحاد، والوقوف صفا مرصوصا في المساجد، وصلاة الجمعة بطبيعتها دعوة لعدم التفرق، حيث لا تصح إلا بصورة جماعية، لا أحادية.

وبينما كان تحقيق الاتحاد بين شعب الإمارات في إماراته السبع، حلما راود الأجداد، ثم أصبح احتمالا في جيل الآباء، فلقد أضحى بفضل الله وبجهود مؤسسي الاتحاد زايد وراشد، وبإرادة الشعب، حقيقة تجسدت في دولة عربية متحدة ناهضة، تحتل مكانة كبيرة، بدورها العربي وبإنجازاتها الوطنية الكبيرة وقيمها وتوجهاتها الإنسانية.

وبينما كانت المبادرة بالدعوة إلى الاتحاد مبادرة رسمية وفردية في بدايتها، فإن الاحتفال الأربعيني بميلاد الدولة الاتحادية جاء شعبيا وجماعيا، وبينما كان هذا الإنجاز الاتحادي وطنيا إماراتيا، فإن أكثر ما يؤكد حقيقة الوحدة العربية، هو أن الاحتفال اليوم بهذا الاتحاد كان قوميا عربيا.

إن قيمة الاحتفال الشعبي والرسمي الإماراتي والعربي الكبير اليوم بالاتحاد، إنما ينبع من القيم الوطنية والعربية والإسلامية، التي تستقر في وجدان شعبنا وتحفظها ذاكرة الأمة التاريخية عبر الأجيال، والتي تدعو إلى الاتحاد وتؤكد ضرورة الوحدة، وتحفل بها مصادر التراث الديني والاجتماعي والشعبي عبر التاريخ.

فالله جل في علاه يأمرنا بالوحدة وينهانا عن الفرقة، قائلا «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، وحكمة الآباء والأجداد تقول لنا إن «الاتحاد قوة والتفرق ضعف»، و«ديوان العرب» زاخر بإبداعات الشعراء من الخليج إلى المحيط، الداعية إلى الاتحاد والمؤكدة على حقيقة الوحدة.

لكن أروع ما في النموذج الاتحادي العربي في الإمارات، هو إثبات أن الاتحاد العربي ممكن، بل هو الممكن الوحيد لاستعادة مكانة هذه الأمة التي تستحقها شعوبها بين الأمم على الخريطة العالمية، وأن استمرار التجزئة العربية غير مقبول وغير معقول، في ظل كل المتغيرات العالمية، وبعد كل الدروس الدولية التي تؤكد «ضرورة الاتحاد» بين الأجزاء.

والضرورة تعني الاتحاد أو الزوال، مما يضع الأجزاء غير المتحدة أمام خيار واحد، هو الوجود أو الحدود. وما يتوفر لأقطار الوطن العربي من دوافع الوحدة أو حتى الاتحاد، لا يتوافر لغيرها من الاتحادات المحيطة، مثل الأوروبي والإفريقي، أهمها أن الوطن العربي كان متوحدا في دولة عربية إسلامية واحدة، قبل أن يتجزأ بفعل سقوط هذا الوطن تحت الحكم الاستعماري الغربي بعد الحرب العالمية الأولى.

وكان من المنطق التاريخي، أن يعود إلى وحدته الأولى بعد استقلاله الرسمي، وتكوين منظمته العربية بعد محادثات «الوحدة العربية» التي أجراها حكام الدول العربية المستقلة لتأسيس الجامعة العربية، إلا أن «المنظمة العربية» التي كان من المفترض أن تكون تعبيرا عربيا شاملا، رسميا وشعبيا، ظلت غائبة أو مغيبة عن واقع الشعوب العربية وقضاياها.

إن سبعة عقود من عمر الجامعة كانت كافية لتحقيق الأهداف الوحدوية والتحريرية للشعب العربي بعد تأسيس الجامعة، لو توفرت الجدية والإرادة السياسية، من تحرير الأرض المحتلة، وإنجاز هدف الاتحاد العربي، ودفع التنمية الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتأكيد الحرية السياسية للمواطن العربي، وتوفير الاستجابات الصحيحة للتحديات الجديدة المفروضة على أمتنا.

وبالتالي، فإن الجامعة الآن وهي تواجه محاولات لاحتوائها، بل وإلغائها، بتنظيمات «شرق أوسطية» وفقاً لمشاريع خارجية تريد تذويب الهوية العربية وتفكيك النظام العربي، تلزمها استعادة بوصلتها العربية استقلالا عن البوصلة الغربية، وعليها تقوية مؤسساتها الشعبية وتوسيع صلاحياتها، وتطبيق اتفاقياتها وتحويلها إلى مظلة اتحادية عربية، لتكوين كيان اتحادي عربي استجابة لأول أهدافها.

إن تطوير العلاقات العربية في اتجاه هدف استراتيجي هو الاتحاد، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تطور ثقافي وإعلامي وسياسي سليم، يسمح بالمشاركة الشعبية عبر المؤسسات البرلمانية، على قواعد دستورية عادلة وشاملة، تؤكد حقوق المواطنة بما لا يسمح بنمو نزعات تجافي الروح الديمقراطية داخل أي دولة عربية، تهدد الوحدة الوطنية أو الأمن القومي العربي.

والمطلوب لتحقيق هذا الطموح المشروع، هو إشاعة ثقافة وحدوية ونهضوية عربية تستلهم رسالات السماء، ثقافة حضارية وإنسانية تبلور القواسم والسمات المشتركة في العقل والوجدان والضمير العربي، وبانتهاج سياسة وحدوية عربية تحمي أجزاء الوطن العربي من التدخلات الأجنبية، وتعالج آلام الشعب العربي، وتحقق آماله المشتركة في الوحدة والحرية والعدل والتنمية.

وفي النهاية، نطمح أن يكون عرس الاتحاد في الإمارات العربية، بشيرا بعرس للاتحاد بين الدول العربية والإسلامية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات