مصر وسلطة الحكم العسكري

هل دخلت الولايات المتحدة في ظرف ما على خط الثورة المصرية، عبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتكليفه بإجهاضها أو تغيير مسارها؟

الرجل الثاني في المجلس العسكري الفريق سامي عنان يعتبر منذ زمن طويل رجل أميركا الأول في المؤسسة العسكرية المصرية. وشاهد القول هنا أنه عندما بلغ «تسونامي» ثورة الشارع المصري ذروته، هرع الفريق عنان إلى واشنطن وفقاً لما ورد في قسم من الصحافة البريطانية.

وتوسعت رواية الصحف اللندنية لتقول إن هناك «سيناريو» جرى رسمه داخل البيت الأبيض، وحمله الفريق عنان إلى رفاقه في المجلس العسكري لتنفيذه.

يقضي السيناريو بإقصاء الرئيس مبارك فوراً عن الحكم، لكي يبدو في عين الثوار أن الثورة بلغت منتهاها وحققت هدفها الأعظم، وبالتالي تبقى بنية نظام مبارك و«الحزب الوطني» كما هو عليه. والفكرة واضحة: التضحية - ولو مؤقتاً - برأس النظام، لكي يبقى النظام على قيد الحياة مواصلاً مساره، ومؤدياً وظيفته كامتداد للسلطة الأميركية في خدمة أمن الدولة الإسرائيلية.

وسواء كانت رواية هذا السيناريو صحيحة أو غير ذلك، فإن السلوك السلطوي للمجلس العسكري أصبح بمرور الأيام والشهور موضع ريبة متنامية.

لدى تسلمهم الحكم، أعلنوا أنهم لن يبقوا كقيادة عليا للبلاد سوى ستة شهور فقط، كوضع انتقالي مرحلي ريثما يتمكنون من نقل مصر إلى عهد الديمقراطية الليبرالية التعددية. لكن مضت تسعة شهور والجنرالات يشددون قبضتهم على السلطة العليا، وفي هذه الأثناء وضعوا جدولاً زمنياً لنقل الحكم إلى سلطة مدنية ديمقراطية، يمتد أمده إلى نهاية عام 2012م.. وربما أوائل 2013م.

لقد انكشفت النوايا المبيتة إذن، وفقد العسكر كثيرا من المصداقية في هذا الخصوص. وهي، على ما يبدو، نوايا تستهدف تصفية الثورة لاستبدالها بديمقراطية مظهرية زائفة.

هذا هو سر إصرار المجلس العسكري على الإسراع بإجراء عملية انتخابية برلمانية. فالهدف المرحلي هو إنشاء «مجلس شعب» بلا أسنان، يخضع دستورياً لإرادة المؤسسة العسكرية. وإلا كيف يصح إجراء انتخابات عامة على خلفية سريان قانون الطوارئ، و«وثيقة دستورية» ابتدعها المجلس العسكري تسلب البرلمان قوته التشريعية؟

السيناريو الأميركي لا ينبغي أن يكون مثار دهشة، ففي التاريخ السياسي الأميركي سوابق مماثلة. ومن بين هذه السوابق ما جرى مع السودان في منتصف ثمانينات القرن الماضي.

ففي عام 1985 اندلعت في الخرطوم ثورة شارع عارمة ضد نظام الرئيس جعفر نميري، وعندما بلغت الثورة أوجها واتضح أن نهاية النظام تقترب حثيثاً، بعث الرئيس الأميركي رونالد ريغان بنائبه جورج بوش (الأب) إلى العاصمة السودانية، لتقييم الوضع على الطبيعة.

وبعد اجتماع بروتوكولي مع الرئيس نميري، عقد بوش لقاءات سرية رتبتها له السفارة الأميركية مع كبار شخصيات المعارضة النقابية والحزبية. وانتهى الأمر إلى موافقة أميركية على الإطاحة بالرئيس السوداني، لكن بشروط فرضتها واشنطن على النحو التالي:

أن يكون على رأس السلطة مجلس عسكري انتقالي، يتكون من قادة الوحدات العسكرية ويرأسه القائد العام للقوات المسلحة »الذي كان أيضا وزير الدفاع«.

أن تلتزم الحكومة الجديدة بتوجهات السياسة الخارجية التي كان يتبناها نظام نميري، وفي مقدمتها مواصلة تأييد اتفاقات كامب ديفيد التي أبرمت بين مصر وإسرائيل.

أن تلتزم الحكومة الجديدة أيضا بمواصلة سداد ديون السودان لصالح البنوك الأميركية.

وهكذا أفرغت ثورة 1985 السودانية من مضمونها. وهنا نتساءل: هل يعيد التاريخ نفسه في مصر بصورة أو بأخرى؟

لقد بات واضحاً أن مصر بحاجة إلى ثورة ثانية. في مؤتمر صحافي، أعلن اللواء مختار الملا أحد أعضاء المجلس العسكري الحاكم، أن الجماهير والقوى السياسية التي تعتصم في ميدان التحرير «لا تمثل الشعب المصري». ومعنى هذا القول أن طاقم الجنرالات لا يعترف بثورة الشارع.

ومن هنا فإن على قيادات الشارع الثائر، أن تدرك مغزى هذا القول الذي أطلق على رؤوس الأشهاد، لتستخلص منه ما ينبغي أن يستخلص، وهو بكل بساطة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يكترث لهذه القيادات.

هكذا وبهذه الروح العدائية، يبدو تدخل المؤسسة العسكرية عند تنحي مبارك، وكأنه انقلاب عسكري كما تشير الوقائع اللاحقة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات