اعتبرت قمة الأرض التي استضافتها العاصمة البرازيلية، أحد أهم أربع قمم شهدها العالم في القرن الماضي، من بينها مؤتمر المرأة العالمي، الذي انعقد صيف عام 1995 في العاصمة الصينية "بكين"، وقمة التنمية الاجتماعية التي دارت مداولاتها في عاصمة الدنمارك "كوبنهاغن"، ويضاف إليها مؤتمر التنمية والسكان الذي انعقد في العاصمة المصرية "القاهرة".
اكتسبت هذه المؤتمرات أهميتها الكبرى نظراً لأهمية القضايا التي تناولتها، بدليل أن مخرجات هذه المؤتمرات ما زالت محط اهتمام المجتمع الدولي، لأن متابعة نتائجها صارت مطلباً ضرورياً، ولعل ذلك ما جعل الأمم المتحدة تشكل فرقاً علمية تتابع وترصد بدقة، الكيفية التي تنفذ بها دول العالم التوصيات التي خرجت بها المؤتمرات العالمية المشار إليها. إن المتتبع لمجريات الأحداث الإقليمية والدولية، يدرك أن قضايا البيئة احتلت موقعاً متقدماً في الأجندة الدولية، بسبب الآثار المدمرة التي تحدثها انتهاكات كبرى دول العالم، على البيئة والمحيط الحيوي.
خلال الأسابيع القليلة المقبلة، تسهم دولة الإمارات العربية المتحدة في دعم الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي من أجل إصحاح البيئة، حيث تستضيف أبوظبي قمة "عين على الأرض"، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ خليفه بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وفي سياق شراكة بين هيئة البيئة والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة للبيئة، وبدعم من مبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية. ونظراً لأهمية هذه القمة، رأينا تسليط الضوء على أهم القضايا التي سيتم طرحها..
سيشارك في قمة أبوظبى عدد مقدر من قادة الدول وصانعي القرار، سعياً من أجل حماية كوكب الأرض لمساعدة سكان الكوكب على الحياة في بيئة نظيفة، لمواصلة التقدم في اتجاه عالم أفضل، ومستقبل أكثر استدامة، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر بوابة التعاون الإقليمي والدولي. ويعتبراختيار أبوظبي لاستضافة هذا التجمع الهام، اعترافاً ضمنياً بالمكانة الإقليمية لدولة الإمارات، وتأثيرها الهام في المنطقة.
ومن أهم بنود أجندة قمة "عين على الأرض"، التداول بشأن كيفية توصيل البيانات البيئية والمجتمعية، وهي أول قمة دولية تنتظم حصرياً لمناقشة مسألة المعلومات البيئية، لأن عدم وصول البيانات والمعلومات البيئية للعلماء والباحثين المعنيين بقضايا الإصحاح البيئي، يحول دون استكمال العديد من الأبحاث العلمية الرصينة، حول شتى القضايا التي تؤثر على حياة الجنس البشري، "كشح المياه" و "التغير المناخي" و "الأمن الغذائي"، وهي قضايا مترابطة ومتداخلة، لها تأثيرها المباشر على حياة سكان هذا الكوكب، كما أن تأثيرها على المدى البعيد يمتد حتى الأجيال القادمة.
وتفيد كل الدلائل أن قمة "عين على الأرض" ستكون حدثاً هاماً، ويكفي القول إنها ستجمع في أبوظبي ممثلين من 170 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، ينتمون إلى الحكومات وقطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن الجامعات ومراكز البحث العلمي، وسينصب جل اهتمامهم على السبل التي تعين على الاستفادة القصوى من البيانات والمعلومات البيئية، والتوافق على أطر للتعاون المشترك، لتمكين المبادرات الحالية والمبادرات الجديدة التي يتم طرحها.
المعروف أن الإمارات شاركت في القمة العالمية للتنمية المستدامة، التي انعقدت في "جوهانسبيرغ" عام 2002، وعندئذ طرحت الإمارات مبادرة حول البيانات البيئية، وجدت قبولاً واستحساناً من كافة الوفود المشاركة، وفي ذات السياق ذكرت "كلين مكجليد" المديرة التنفيذية للوكالة الأوروبية للبيئة، أن قمة "عين على الأرض" التي ستعقد في ديسمبر بأبوظبي ولمدة ثلاث أيام، ستركز على المبادرات والمشروعات ذات الأفكار الواعدة، التي يمكن أن توصل القمة إلى غايات الاقتصاد الأخضر المستدام، في مواجهة الاستثمار التقليدي غير المسؤول، والاقتصاد الاخضر كمفهوم يتوافق مع أطروحات اقتصاد المعرفة، الذي لا يغفل دور البيئة في العملية التنموية.
وتشير دراسات عديدة، إلى أن الهدر البيئي ظاهرة لا يخلو منها بلد، لدرجة أن بعض الدول الصناعية ألقت بأطنان من نفايات خطيرة من مخلفات مفاعلات نووية، تحتوي على مواد مشعة، ليتم دفنها في أراضي دول أخرى أو يلقى بها عمداً وسراً على سواحل الصومال والصحراء الغربية، وترتب على ذلك ارتفاع حالات الإصابة بأمراض سرطانية، في دول لم تعرف من قبل هذا النوع من الأمراض.
أعود لأضيف أن تكلفة الهدر البيئي تقدر بنحو 200 مليار دولار، وحسب علمنا سيقام معرض بيئي على هامش هذه القمة الهامة، يعرض فيه الجديد المبتكر للتقنيات التي تستخدم في معالجة وتحليل البيانات الجغرافية والبيئية، كما أشارت إلى ذلك "كاترين آرمور" مسؤولة مبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية.
بقي أن نقول إن قضايا البيئة مع أهميتها، لم تحظ بالاهتمام الكافي، رغم أن دولا عديدة بادرت بتضمين قضايا البيئة ضمن المناهج الدراسية في كافة المراحل، كما تم استحداث "الإعلام البيئي" للترويج للثقافة البيئية، بهدف التعريف بتأثير البيئة على الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
إن قمة دولية تعقد في أرض الإمارات برعاية كريمة من رئيس الدولة حفظه الله، تعتبر حدثاً هاماً يستحق من كافة الجهات المعنية بقضايا التنمية المستدامة المشاركة فيه، وتسليط الضوء على أهمية البيئة في حياتنا. ومن جهة أخرى، أرى أن الوقت قد حان لتجد البيئة موقعها المناسب ضمن مساقات مناهجنا الدراسية في كافة المراحل، وفي ذات السياق هنالك مطالبات لتفعيل دور الجمعيات ذات النفع العام، خصوصاً جمعية أصدقاء البيئة، للتعريف بقضايا البيئة والقيام بحملة إعلامية مكثفة، ضمن الجهود التحضيرية الجارية لضمان نجاح هذه القمة الهامة، التي تستضيفها دولتنا في الثاني عشر من ديسمبر المقبل.