في الأسبوع الماضي عبرت عن الأمل في ألا يكون الصدام في مصر عنيفاً، وتوقعت قبل اندلاع الأحداث الأخيرة أن يقع هذا الصدام في أعقاب انتخابات برلمانية ستأتي قطعاً ببرلمان لا يمثل الثورة، لكن الغباء الأمني كان له رأي آخر، فأشعل الموقف مبكراً ووضع إدارة البلاد في أزمة خطيرة، وأعاد الروح إلى ميادين التحرير بعد أن سقط عشرات الشهداء ومئات المصابين.
سقطت حكومة عصام شرف، ولم يترحم عليها أحد، فقد كانت من الضعف بحيث كان رحيلها محل إجماع الكل، لكن الخطير أن الأمر تجاوز ذلك، والأزمة الآن بين شباب غاضب في ميادين التحرير وبين المجلس العسكري الذي تحمل المسؤولية بعد سقوط مبارك، والذي أوقعته قلة الخبرة السياسية في سلسلة من الأخطاء وسوء الإدارة أدت إلى ما يمكن تسميته بالموجة الثانية من الثورة في مصر، وسط موقف بالغ التعقيد بصورة لم يكن أحد يتخيلها عندما حققت الثورة نصرها الأول بسقوط رأس النظام قبل تسعة شهور.
تابعت خطاب المشير طنطاوي مع بعض شباب التحرير على مقهى صغير ملاصق للميدان مساء الثلاثاء الماضي كانت التجمعات في الميدان تواصل هتافاتها دون كلل. وكانت رائحة الغاز المنبعث من قنابل غاز شديدة التأثير تملأ سماء المنطقة. وكانت الملاحظة الأساسية أن الشبان المتجمعين حولنا لا ينتظرون جديداً من الخطاب، وأنهم يرفضون مسبقاً الخطاب الذي تضمن خطوات مهمة (ولو أنها غير كافية) في الاستجابة للمطالب المطروحة. فقد أعلن قبول استقالة حكومة شرف، وحدد نهاية يونيو المقبل للانتهاء من انتخابات الرئاسة وتسليم الحكم للسلطة المدنية، وأكد استمرار انتخابات البرلمان، وإن كانت هناك شكوك حول إمكانية إجراء المرحلة الأولى على الأقل في موعدها المقرر غداً.
كانت هناك خطوات أخرى ضرورية لم يتضمنها الخطاب مثل الوقف الفوري للعنف، وإغلاق ملف محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، والاعتذار الواضح عن أخطاء المعالجة الأمنية والتحقيق في الأحداث الأخيرة ومحاكمة من تثبت مسؤوليته عن سقوط الشهداء والمصابين. وهي خطوات كانت قد تمت الموافقة عليها وتم الإعلان عنها بالفعل بعد ساعات، ولكن خلا خطاب المشير طنطاوي من الإشارة إليها، ربما لاستمرار الارتباك في إدارة الأمور، أو لعدم وجود مستشارين أكفاء.
وهو ما وضح في لغة الخطاب «الخشبية» التي عكست أحد الملامح الرئيسية التي تظهرها الأزمة الراهنة، وهو الفشل الذريع في تضييق الهوة بين الأجيال. وهو أمر لا يقتصر فقط على المجلس العسكري، بل على كل المؤسسات السياسية والحزبية.
لقد رفض الشباب الغاضب في التحرير دخول رموز وزعامات حزبية إلى الميدان (وبعضهم تلقى الإهانات وتم طرده) في إعلان واضح عن فقدان ثقة هؤلاء الشبان في أحزاب تعاني كلها من الشيخوخة والانتهازية معاً، لم تلتحق بالثورة إلا متأخراً، وبعضها كان يقف ضد الثورة بشكل لا لبس فيه، ثم إذا بزعمائها يهرولون في محاولة لسرقة الثورة وتوزيع مقاعد البرلمان مستبعدين الثوار الحقيقيين، ورافضين إعطاء أي فرصة للشباب.
الأمر الذي أثار عدة انشقاقات داخل هذه الأحزاب بين قيادات تتعامل مع الثورة على أنها حدث عارض أو فرصة للخلاص من منافسيها، وشباب يرى في الثورة انقلاباً شاملاً يعيد بناء الوطن على أسس جديدة. الفجوة الواسعة بين الأجيال، وانعدام الثقة بين كل الأطراف، وافتقاد المجلس العسكري لأي وسائل تواصل سياسي مع الأجيال الجديدة ومع الرأي العام.
. كلها عوامل تؤدي إلى تعقيد الموقف. الموقف المعقد يقول إن الأزمة ستطول، وان المطلوب الآن تهدئة الموقف وإيقاف العنف ومحاسبة المسؤولين عنه، ثم فتح أبواب الحوار المغلقة مع الشباب الغاضب، وأخذ فترة لالتقاط الأنفاس بعيداً عن قنابل الغاز والرصاص المطاطي.
ولعل انكشاف ضعف وانتهازية معظم الأحزاب السياسية في هذه الأزمة وفقدانها لثقة الرأي العام (داخل ميادين التحرير وخارجها) يعطي الفرصة لإعادة النظر في خريطة طريق المرحلة المقبلة والتركيز بالفعل على وجود حكومة قوية (قد يكون معها مجلس استشاري يمثل مختلف التيارات والمصالح) وعدم تكرار تجربة عصام شرف المؤسفة أو ترك حكومته لتصريف الأعمال بحجة الإشراف على الانتخابات التي أصبح مصيرها معلقاً.
وقد كانت الأسماء البارزة لتشكيل مثل هذه الحكومة تضم عدداً من مرشحي الرئاسة، لكن عمرو موسى اعتذر حتى لا تتعطل حملته الرئاسية واستبعد عبدالمنعم أبو الفتوح لاحتسابه على التيار الإسلامي رغم خلافه السابق مع الإخوان المسلمين، وبقي البرادعي في مقدمة المرشحين أمام المجلس العسكري خاصة بعد ان أكد مرة أخرى ما سبق إعلانه عن استعداده لتولي المسؤولية حتى لو خرج من سباق الرئاسة، لكنه اشترط الحصول على الصلاحيات التنفيذية التي يملكها الآن المجلس العسكري باستثناء المسائل العسكرية فقط. ورغم ان فريقاً في المجلس العسكري كان مؤيداً لتولي البرادعي المسؤولية، فإن فريقاً آخر كان يخشى من الاستقطاب الحاد حول شخصيته (تأييداً ومعارضة) وأيضاً من قلة خبرته بالواقع المصري، ومن ان
صداماً محتملاً بينه وبين المجلس العسكري ستكون له عواقبه الوخيمة.
ولذلك اتجهت البوصلة نحو كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق الذي يملك خبرة واسعة بشؤون الاقتصاد والتخطيط، ويعرف كيف يتعامل مع البيروقراطية المصرية، بالإضافة إلى صدامه الشهير مع مبارك وخروجه من رئاسة الحكومة في عهده بطريقة مهينة.
ورغم ما يواجهه الجنزوري من عقبات بسبب كبر السن أو عدم خروجه من ميدان التحرير مثل سابقه، فإن الجنزوري يملك سمعة طيبة في انه يصر على ممارسة دوره كاملاً (وقد كان هذا أحد أسباب صدامه مع مبارك) بالإضافة إلى قدرته على إمساك كل الخيوط داخل الحكومة في يده. المهم الآن الإسراع بتشكيل الحكومة وحسن اختيار أعضائها وإصدار حزمة قرارات حاسمة لاستعادة الأمن وإنقاذ الوضع الاقتصادي. ولكن تبقى المهمة الشاقة قبل ذلك كله هي المرور من ميدان التحرير واكتساب ثقة الشباب الغاضب: فهل يحدث ذلك.