قبل خمسة أيام فقط من الموعد المقرر لبداية الانتخابات البرلمانية المصرية، خرج المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، الذي يتولى إدارة شؤون البلاد خلال الفترة الانتقالية حتى تسليم الحكم إلى السلطة المدنية المنتخبة، عن صمته المعهود، مؤكداً في خطاب إلى الأمة، أن الجيش المصري هو جزء من الشعب المصري، ولذلك فقد حمى ثورة الشعب انحيازاً إلى الشعب، ومشدداً على أن المجلس الأعلى للجيش لم يقم بهذا سعياً إلى الحكم، ومعبراً عن استعداد المجلس الأعلى للتخلي عن المسؤولية السياسية فوراً، إذا أراد الشعب ذلك في استفتاء شعبي.

وإجراء الانتخابات يعني تطبيق خارطة الطريق التي ضمنها الإعلان الدستوري، والسير نحو تحقيق أهداف ثورة 25 يناير المصرية وبداية التحول الديمقراطي بإعادة بناء مؤسسات الدولة بإرادة الشعب، والسير نحو الانتقال السلمي للسلطة التشريعية إلى نواب الشعب المصري بانتخابات حرة، ومواصلة السير نحو صياغة الدستور الجديد للبلاد، وتسليم السلطة التنفيذية بالانتخابات الرئاسية التالية للرئيس المنتخب، والبداية الحقيقية للعبور من الميدان إلى البرلمان ومن الثورة إلى الدولة.

 لكن أهم ما تضمنه خطاب المشير طنطاوي، هو ثلاثة قرارات مهمة هي؛ الالتزام بإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر يوم الاثنين القادم، وتقديم موعد الانتخابات الرئاسية لتنتهي منتصف العام المقبل، وقبول استقالة حكومة الدكتور عصام شرف الذي كلفته قيادة الجيش برئاسة أول حكومة بعد الثورة..

والمفارقة أن د. شرف تولى الحكومة بترشيح ثوار ميدان التحرير له، فجاء من الميدان إلى الديوان محمولاً على الأعناق، بينما خرج من الديوان استجابة لهتافات الميدان، وشعوراً بالمسؤولية السياسية لأخطاء وزارة الداخلية، بسوء معالجتها لمسألة فض الاعتصام في ميدان التحرير بالقوة، مما أدى إلى مواجهات واشتباكات بين المتظاهرين الغاضبين وقوات الشرطة، تضامناً مع الضحايا والمصابين، والذين حملوه المسؤولية وطالبوا باستقالته.

قرارات المشير الثلاثة جاءت استجابات للمطالب الشعبية، وبعد حوار مع القوى السياسية لمعظم ألوان الطيف المصري وتوافقها عليها، لمحاولة الخروج من الأزمة السياسية المتصاعدة في ميدان التحرير، والتي بدأت أساساً بمليونية نظمتها القوى السياسية الإسلامية بمشاركة أحزاب وتيارات أخرى، رفضاً لوثيقة علي السلمي التي حاولت فرض السلطة التنفيذية لمبادئ دستورية على السلطة التشريعية، بما يقلب المعادلة الصحيحة للعلاقة بين السلطات، ومطالبة بإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها، وبتقديم موعد الانتخابات الرئاسية، وباستقالة الدكتور السلمي نائب رئيس الوزراء.

إن الأزمة العنيفة الحالية التي تهدد أمن الوطن وسلامة المجتمع المصري، هي في النهاية صراع بين إرادتين وطنية وخارجية، وهي ناتجة من الانقسام والتشرذم السياسي، ومن عدم الثقة وشيوع المخاوف بين القوى المختلفة، ومن الطمع والانتهازية السياسية، بين إرادة الغالبية الشعبية، وخاصة القوى الإسلامية فيها، بالسير على طريق الديمقراطية، والثقة في إدارة المجلس الأعلى للجيش وإجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها أولًا، واستكمال بناء المؤسسات وتسليم السلطتين التشريعية والتنفيذية للشعب، وبين إرادة الأقلية السياسية الليبرالية والعلمانية في تأجيل الانتخابات البرلمانية.

أو إرادة المغامرين بمحاولة إلغائها والقفز على السلطة بطريقة انقلابية أو ثورية أو فتنوية، وهو ما يغذيه الإعلام المريض والفضائيات التحريضية المكشوفة للناس! من هنا يبقى الفارق كبيراً بين مشهدين في مصر، بين ميدان التحرير في 25 يناير الماضي يوم بداية ميلاد الثورة الشعبية، وميدان التحرير في 25 نوفمبر الحالي يوم بداية تآكل العلاقة بين قلة ممن يرفعون علم الثورة ويدعون احتكار ملكيتها، وغالبية من الجماهير الشعبية الملاك الحقيقيين لهذه الثورة..

وشتان في المشهد بين جمعتين، الجمعة الماضية التي انتهت بسلام في الميدان، والجمعة الحالية التي يتبدد فيها السلام ويتهدد فيها أمن الإنسان وسلامة الأوطان! في المشهد الأول، مظاهرة شبابية سياسية صغيرة، لكنها على خلاف ما سبقها من مظاهرات، جاءت في موعدها مع القدر حينما توافقت انطلاقتها مع نضج الظروف الموضوعية للثورة، وحينما كانت مصر مهيأة للثورة ضد الفساد والاستبداد والتبعية والتوريث بعد طول صبر، ومع انضمام ملايين الشعب المصري بكل أجياله وأطيافه السياسية والدينية وشرائحه الاجتماعية، وبحماية الجيش المصري والتحامه مع جماهيرها في الميدان، تحولت إلى ثورة شعبية سلمية حضارية بوحدة صف وهدف، أذهلت وألهمت شعوب العالم، ومثلت نموذجاً حقيقياً لمعنى الثورة الشعبية، الساعية إلى الحرية السياسية والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وفي المشهد الثاني، مظاهرة شبابية ثورية مختلفة تماماً في حجمها وشكلها وهدفها، في الحجم لم تتسم بشعبيتها الملايينية التي شهدتها ثورة يناير بنحو 20 مليون متظاهر في كل ميادين التحرير، ولم تصل حتى إلى حجم المليونية التي دعت إليها حركاتها الشبابية لتكون ثورة جديدة أو موجة ثورية ثانية.

وفي الشكل افتقرت إلى الوحدة السياسية، وانعكست في الميدان انقسامات الائتلافات الشبابية المائة والخمسين، وخلافات تلك الائتلافات مع الأحزاب السياسية الخمسين، وتناقضاتها مع الإدارة العسكرية المؤقتة للبلاد، ودخلت في مواجهة دامية مع قوات الشرطة، وسياسية مع قيادة الجيش، وبهذا فقدت تعاطف غالبية القوى والتنظيمات والتيارات الوطنية السياسية والشعبية!

لكن المحن العظيمة تظهر معادن الشعوب العظيمة، ومن هم في موقع الأصدقاء ومن هم في موقع الأعداء، ومن الذين تحركهم قيمهم ومبادئهم، ومن الذين تحركهم منافعهم ومصالحهم، ولو على حساب أمن أوطانهم ووحدة شعوبهم.. وأثق أن الشعب المصري العظيم قادر على عبور الأزمات وتجاوز التحديات.. وهذه الأزمة حتماً ستمر مثلما مرت كل الأزمات، فلن يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ولن يصح إلا الصحيح بإذن الله، فـ"مصر هي كنانة الله في أرضه من أراد شعبها بسوء قصمه الله".