ربما لا توجد صلة إنسانية على الإطلاق أوثق من صلة الإنسان بالمعرفة، والبحث عنها وسبر أغوارها، فهي صلة قائمة على التعطش الذاتي والنهم المستمر، الذي لا يرتوي ولا يقنع ما دام حاديه في هذه الرحلة شوق الارتقاء الإنساني والخلود البشري..

هذه العلاقة أنبتت وشائج متينة بين منتجي المعرفة من المفكرين والباحثين، ومتلقفي المعرفة على الضفة الأخرى من القراء والدارسين، لتصنع هذه الوشائج جسر العبور الإنساني إلى فضاءات الوجود والبحث في أسراره، والركون تحت ظلال شجرة المعرفة العظيمة..

ولعل أكبر وأبرز محطات جسور المعرفة التي بناها الإنسان، هي معارض الكتب التي شكلت نوادي معرفية مفتوحة، يلتقي فيها العقل مع المعرفة وجهاً لوجه، وتملأ الأفكار ردهات المعارض هنا وهناك لتصنع عرساً ثقافياً تطرب فيه العقول قبل النفوس.

ولعل أبرز المستفيدين من المعارض هذه، هو المجتمع بمجمله، قبل أن يكون أريج الفائدة متصلاً بالأفراد على وجه الخصوص، وهو ما يمكن تسميته بالحراك الثقافي العام، الذي يستوعب تحت أجنحته الزاد الاجتماعي والمعرفي والاقتصادي والفكري والسياسي وشتى أنواع العلوم، ليصنع توليفة اجتماعية تسهم في إنضاج المجتمع والصعود به في سلم الحضور العالمي بمشعل المعرفة.. والمعرفة فقط. والحقيقة أن الحراك الثقافي الإماراتي قد استفاد استفادة بالغة من معارض الكتب النشطة الناجحة التي احتضنتها الإمارات، وتأطر الكثير من مفاهيمه وتبلورت على مائدة هذه المعارض، حين وجدت الفعاليات الثقافية نفسها في بستان المعرفة السنوي، مجبرة على الزاد المعرفي المتاح الميسّر، مدفوعة نحو توثيق عرى العلاقة مع الكتاب، بوصفه حاضن المعرفة ونتاجات العقول.

ولا ينكر أحد أن مجتمعنا المعرفي الإماراتي اليوم ليس هو قبل ثلاثين عاماً، فالأشواط بعيدة كبيرة، والقفزات ممتدة في ميادين الحضور الثقافي على مستوى الأفراد والمجتمع. ولم تعد الأمية المعرفية مستساغة في مجتمع عرف الطريق إلى الارتقاء، حتى شكلت المعارض منذ انطلاقتها رافداً سنوياً يقدم أهم النتاجات الإبداعية والفكرية والمعرفية، وقدمت مواد خصبة يتفاعل معها المثقف الإماراتي، كما شكلت في الوقت ذاته بوابة وجسراً للتواصل بين المبدع والمثقف الإماراتي وبين الناشرين العرب، لبناء علاقات في ما بينهم، وهي علاقات مهمة لأي كاتب أو مبدع لمعرفة مستجدات عالم النشر.

والمعارض في جوهرها ليست مجرد فعالية لاستعراض الكتب الجديدة فحسب، بل هي قبل ذلك ميدان لتفاعل الأفكار ومناقشة الأطروحات الثقافية المختلفة، من خلال ما يقام على هامشه من ندوات وأنشطة، كما تشكل الفعاليات المصاحبة للمعرض، وخاصة الأمسيات والندوات الفكرية، فسحة مهمة لحوار فكري يتجدد في كل دورة، حيث تطل من خلاله وجوه عرفها المتلقي من خلال كتاباتها، لكنه يتعرف إليها بشكل مباشر من خلال الندوات والمحاضرات التي تتيح للحاضرين إبداء آرائهم وفتح النقاش مع الضيوف، وكل ذلك يصب في مصلحة الثقافة والحراك الثقافي الإماراتي.

ومن جهة أخرى، تشكل معارض الكتب فضاء واسعاً لمختلف الرؤى الفكرية والإبداعية، ومكاناً للقاء الثقافي والإنساني، حتى إن الكثير من المبدعين الإماراتيين والمثقفين بنوا زادهم المعرفي من خلال معارض الكتب، واختاروا من أزاهيرها ما شكل مستقبلاً دوحتهم الخاصة، وانطلاقتهم الفكرية التي لا تزال ترفد المجتمع الإماراتي بالجديد النافع والأصيل المشرق.

ولعل من أبرز ثمرات المعارض، إضافة إلى نشر الكتب وتقريبها من الناس وتعميق حضورها في حياتهم، هو دورها في رفع الوعي المجتمعي، من خلال تعزيز قيمة الكتب الفكرية. ولذلك فإن اهتمام الدول بإقامة معارض الكتب فيها واستقطاب دور النشر من كافة أرجاء العالم، يعزز أهمية الكتاب، ويزيد من احترام الأفراد له ومن رغبتهم في القراءة واقتناء الكتب، غير أن الحاجة إلى معارض الكتب لا تنفي الحاجة للاستفادة منها بأكثر من وسيلة وأسلوب خلال إقامتها، بحيث لا تتحول إلى مجرد منصات عرض، بل تتسع لتتحول إلى مهرجانات فكرية، تفتح هذه الكتب وتنقل ما فيها بصور حية، للنقاش والتداول بين الزوار والمفكرين، وتكون قادرة على استقطاب مختلف الآراء والأفكار، لإنتاج القارئ الجيد المثقف، الذي يقتني القيمة الثقافية ويرقى بالمجتمع كما يراد له مرحلياً وحضارياً.