يتفق علماء النفس والدارسون للفروق الفردية، على أن هنالك قلة من البشر منحهم الله عز وجل قدرة على الخلق والابتكار، ومن ثم ابتدار مبادرات خلاقة، تضيف جديداً. ومما لا شك فيه أن التقدم العلمي والفكري والحضاري في شتى مناحي الحياة، يدين لأفراد ساهمت مبادراتهم الخلاقة، في ازدهار الحياة وتقدم المجتمع الذي ينتمون إليه ويعيشون فيه.
في تقديري أن المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بإنشاء جائزة للسلام، تندرج تحت ما أشرنا إليه، وذلك لسبب رئيسي، وأعني به التوقيت الذي تم فيه إطلاق الجائزة.. وفي ذلك لا أعني أن التوقيت تلازم مع إعلان أسماء الفائزين بجائزة نوبل للسلام لعام 2011، التي أعلنت نتائجها مؤخراً، بل أعني أن العالم بأسره يمر بمرحلة تحول تاريخي منذ مطلع الألفية، وانهيار حائط برلين وذوبان المنظومة الاشتراكية، واستفراد القطب الأوحد، الذي تولى منفرداً مهمة قيادة العالم، عبر الترويج لمفهوم النظام العالمي الجديد، الذي بزغ فجره مع هبوب رياح العولمة وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات.
وإملاءات منظمة التجارة الدولية، والترويج لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي تشكل في مجملها سلسلة من الوقائع أعاقت، بل وعرقلت حركة النمو والتطور الاقتصادي في أرجاء عديدة من العالم، وتسببت في إشعال بؤر الصراع العقائدي والطائفي، كما تفاقمت معها التباينات السياسية، ولم يمض وقت طويل، حتى انفتح الباب على ظاهرة الإرهاب الدولي، وما صاحبها من أحداث سبتمبر 2011، التي قلبت بدورها موازين الحياة وثوابتها رأساً على عقب.
وإذا كان "فوكوياما" يرى أنها مرحلة نهاية التاريخ، فإننا لا ندري أي تاريخ يعني، لأن الحرب الباردة لم تنتهِ بعد، ومصانع السلاح لم تتوقف عن الدوران، كما أن تجار السلاح ما زالوا يقبضون على مفاصل التجارة العالمية. في هذا الجو المشحون بالتوتر والثورات والدم المراق على أرصفة الشوارع وفي الميادين العامة، في كثير من مدننا ودولنا العربية، وفي غيرها من مناطق العالم الأخرى.. أقول؛ في هذا الجو المحموم تطل علينا مبادرة جائزة السلام الدولية، التي تهدف إلى تعزيز مفهوم ثقافة السلام، الذي دعت له المنظمة الدولية، بل ومن أجله تم إنشاء عصبة الأمم، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
والقارئ لا يفوته إدراك أن جائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تم إطلاقها لتعمل بشخصيتها الاعتبارية في فضاء واسع، من أجل تكريم الفئات والجهات ذات الإسهامات المميزة، من أجل حفظ السلام في شتى أرجاء المعمورة، فضلاً عن أن من أهداف جائزة السلام العالمي هذه، اعتبار أن السلام كقيمة حضارية، يعد إحدى أهم آليات التفاعل الحضاري الخلاق بين الشعوب، وتمكين ثقافة السلام، إلى جانب تشجيعها للحوار البناء بين الأديان والثقافات، ويتطلب ذلك بالضرورة إيضاح الصورة الحقيقية للاسلام.
لقد كفل المرسوم الذي صدرت بموجبه الجائزة، مجموعة من التدابير الإجرائية التي تساعد على تحقيق الجائزة لأهدافها، لعل من أهمها:
الاستقلال المالي والإداري.
الأهلية القانونية.
مجلس أمناء للجائزة.
للجائزة أمين عام.
وقد رسم القواعد التي ينبغي أن تتبع ليتم تنفيذ هذه المبادرة.
ولا شك أن السلام الذي تنشده الجائزة، ما هو إلا السلام القائم على العدل، والمرتكز على قيم الحق، وفي ذلك كانت المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، قد اعتبرت عام 2000 عاماً لثقافة السلام، وذلك انطلاقاً من قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1997، وبناء على ذلك تم يحديد الرابع من مارس في ذات العام، حيث انطلقت من قاعدة برج "إيفل" مبادرة "ثقافة السلام"، التي تصدرها إعلان قام بصياغته جمع من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام، لأن السلام قيمة إنسانية وأخلاقية.
لقد استقبلت جموع من المواطنين باهتمام نبأ إطلاق "جائزة محمد بن راشد للسلام العالمي"، وفي تقديري أن جهوداً لا بد أن تبذل من قبل مجلس أمناء الجائزة الذي تم تشكيله، للتعريف بالجائزة على جميع الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. ولعله من الأهمية بمكان دعوة عدد من الفنانين التشكيليين المرموقين، لتصميم شعار مميز ومتميز لهذه الجائزة، فضلاً عن مسائل أخرى لا يتسع لها حيز المقالة.