بينما تعود إلى الديار في كل ركن من أركان المعمورة، أفواج الحجيج المسلمين العائدين من أكبر مؤتمر شعبي عالمي إسلامي شهده البيت المعمور في بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وتعددت مشاهده العظيمة في جبل عرفات وفي المشاعر المقدسة وفي المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة.. ما زالت تلك المشاهد الرائعة مظهرا وجوهرا باقية في العيون، حيث تجلت فيها معاني الأخوة الإنسانية ووحدة الشعوب الإسلامية التي يجمعها الدين الواحد، رغم تعدد المذاهب واختلاف القوميات وتنوع اللغات وتباعد الأوطان، في أروع صور الائتلاف رغم الاختلاف، وأوضح صور الوحدة رغم التعدد.
مشاهد هذه الملايين بملابسها الناصعة وقلوبها البيضاء التي شهدت بالوحدانية وآمنت بمنهج التوحيد، ودعت إلهها الواحد أن يحفظ المسلمين من شرور الفتن ومن عدوان المعتدين، كان الحج يجمعها ولا تفرقها سياسة أو مذهب أو قومية، فلا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا فضل لأبيض على أحمر إلا بالتقوى.
تذكرنا هذه المشاهد العظيمة بالمشهد الأعظم لحجة الوداع للرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، فنستعيد وصاياه الخالدة على مر الزمان في خطبة الوداع وغيرها، التي تذكرنا بأن نعتصم بحبل الله جميعا لنتوحد ولا نتفرق، وألا تستدرجنا الشياطين فنسقط في الفتن والاقتتال، منبها إلى أنه «إذا خرج المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، ومحذرا بأن «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»، وفي حديثه قائلا «لا تعودوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
لكننا سرعان ما نعود بعد الحج لنصطدم بالواقع الأليم للمسلمين، حين ننظر بأسى إلى مشاهد دامية بين مسلم ومسلم بإثارة فتن مذهبية وسياسية وعرقية كقطع الليل المظلم، تصنعها الشياطين الكبيرة وتنفذها الشياطين الصغيرة!
ورغم أن الاختلاف والتنوع السياسي والديني والمذهبي والعرقي في داخل الأمة الواحدة أو الوطن الواحد، واقع طبيعي من واجب الجميع التسليم به كحق للجميع، وبينما يكون الاختلاف طبيعيا وينبغي حسن إدارته للاستفادة منه، فإن الخلاف الناتج عن سوء إدارة الاختلاف هو تداعٍ طبيعي بسوء الفهم أو بسوء التعامل، وبغياب واجب الاعتراف بالحق، أو بطغيان حق طائفة أو طبقة أو فئة على حقوق الأطراف الأخرى. لكن ما هو غير صحيح وغير مطلوب، أن ينقلب الخلاف إلى صدام والصدام إلى صراع واقتتال بين أبناء الأمة الواحدة أو أشقاء الوطن الواحد، في حروب وفتن دامية.
حدث مثل هذه الحروب المرفوضة بكل أسف بين بلد وبلد في الأمة الإسلامية، كالعراق وإيران مثلا، مع التباين السياسي أو مع الاختلاف المذهبي، بفعل فاعل شرير داخلي أو خارجي سعى لتحويل هذا الاختلاف إلى خلاف، وشحن أطراف هذا الخلاف لتحويله إلى صدام ولتفجير الحرب بين الطرفين، والهدف هو تفكيك الأمة، والنتيجة هي إضعافها لإمكان العودة للسيطرة عليها.
ويحدث مثل هذه الفتن الأهلية بكل أسى، لأسباب قبلية أو مناطقية في أكثر من بلد عربي، فقد شهدنا اقتتالا طائفيا وسياسيا داميا قبل سنوات في لبنان، وفي العراق بعد الاحتلال وبسببه، واقتتالا مناطقيا وقبليا بين الشمال والجنوب في اليمن إفشالا للوحدة وسعيا للانفصال، فيما تجدد إشعالها لذات الأهداف منذ شهور، ولكن بعناوين جديدة ثورية وديمقراطية، وهو ما نشهده حاليا حيث يرفع فيه السلاح بين أبناء الوطن الواحد، ويسقط الضحايا من القتلى والجرحى مدنيين وعسكريين، وهم في النهاية أشقاء يمنيون، بينما الحل ممكن بالانتخابات المبكرة والحلول السلمية.
كما شهدنا قبل شهور اقتتالا داميا وضاريا في ليبيا، نتجت عنه خسائر فادحة في الأرواح ودمار كبير للمباني والمؤسسات والاقتصاد يحتاج لسنوات طويلة وجهد كبير لإعادة إعماره.
وفي الساحة السورية تفجرت الأزمة ذاتها بالمشاهد ذاتها، مع بعض التغيير نتيجة التغير في المشهد الدولي، حينما وقفت روسيا والصين في مجلس الأمن لتمنع من تكرار السيناريو الليبي بغطاء أممي، ولم تقم بذلك لحماية نظام ضد شعب، ولكن لحماية مصالحهما الاستراتيجية ودورهما على الساحة الدولية. مع أن ذلك قد يحمي الوطن والشعب السوري من التدخل العسكري الغربي، وربما يحمي الوطن العربي من كارثة مدمرة جديدة.
والآن نشهد مواقف وقرارات تتخذ تحت شعار حل الأزمة السورية بالتعريب وليس بالتدويل، ولا شك أن ذلك أمر جيد إذا تحققت النوايا الصادقة والإرادة المخلصة، ومن مختلف الأطراف، لإتاحة فرصة جادة وحقيقية للحوار والتهدئة، وإيقاف نار الفتنة والاحتراب بين الأشقاء، والابتعاد عما يزيد الأوضاع تدهورا ويصب الزيت على النار، فتزداد الأزمة تعقيدا، وتخرج عن إطار السيطرة والحلول السلمية، مما يضع المنطقة كلها في مواجهة مخاطر يصعب التكهن بتداعياتها وعواقبها الوخيمة.
ولا جدال في أن الحل الأمثل لكافة هذه الأزمات والصراعات واضح لكل المسلمين، وهو السعي لوقف الاقتتال بالضغط على المتورطين فيه، وبإطفاء نار الفتنة بالماء وليس بالزيت، وبمعرفة الحقائق الواقعية على الأرض بوضوح ومصداقية، وبالسعي للمصالحة الوطنية أولا، ووقف كل أشكال العنف والاقتتال أيا كان مصدرها، والعمل من أجل مصالحة شاملة، تنجز الإصلاح المأمول وتحفظ سلامة الوطن السوري والاستقرار الضروري للمنطقة بشكل عام.
علينا أن لا ننسى أننا جميعا عرب وأبناء أمة واحدة، مصيرها واحد وعدوها واحد، ومهما حدث من خلافات وصراعات بيننا، فلا بد أن يكون الحل من جانبنا، مهما كان حجم المشاكل والتعقيدات، فلن يكون غيرنا أحرص منا على مصالحنا، ولن يكون أقدر منا على حل مشاكلنا، إن أردنا الإصلاح وقدرنا النتائج وبذلنا الجهود الكافية والوقت الضروري.
وظني أن المخلصين الساعين إلى المصالحة إن أرادوا إصلاحا يوفق الله مسعاهم.. وأدعو الله أن يهدينا إلى ما هو حق وعدل، وأن يحفظ شعوبنا وأوطاننا وأمتنا من شرور الفتن.
كاتب مصري