ليس حادثاً بسيطاً أو اعتيادياً يمكن نسيانه أو تجاوزه، ذاك الذي كان فيه الفنان العالمي الهوليوودي العربي الأصل عمر الشريف، بطلاً أمام كاميرات الإعلاميين هذه المرة، وليس في دهاليز السينما، حيث قام بصفع إحدى المعجبات المتلهفات لأخذ صورة معه للذكرى ولتقول "هذه أنا مع عمر الشريف".

وربما كما قيل، كانت إحدى الصحافيات اللواتي ينظرن إلى المواهب العربية بقدر كبير من الاحترام، والرغبة في تلميع حضورهم الإعلامي والجماهيري، ولو على حساب الكثير من التقدير الشخصي. أقول، ليس حادثاً بسيطاً عابراً، لأن مثل هذه الصفعة "الأبوية".

كما اضطر إلى وصفها بعض المفرطين في الإعجاب بعمر الشريف، لا ينظر إليها على أنها حادث فردي من شخص لآخر، تترك للصحافية أو المعجبة حرية الصفح عنه وتجاوزه، وإنما ما دامت هكذا أمام الرأي العام والجمهور والكاميرات، فلها الكثير من الإسقاطات غير الحميدة، ليس أقلها النظرة الفوقية المريضة التي يحملها بعض النجوم، للناس البسطاء البعيدين عن أضواء النجومية وعالمها، وكأن النجوم الفنية أناس من كوكب آخر!

ليست صفعة عادية، بل إنها في مضمونها تنكر لأجيال قدرت مثل هؤلاء النجوم، ووضعت لهم في ضميرها أنصبة تذكارية هائلة بوصفهم سفراءنا إلى العالم، لا سيما من كانوا بقامة الشريف وحضوره الفني الذي لا ينكره أحد. الناس البسطاء هؤلاء أصحاب الضمائر الغضة الحية، هم من أعطوا الثقة لهؤلاء النجوم ووضعوا أكتافهم ليرتقي عليها النجوم في سماء الشهرة، ولولاهم لبقي الكثير منهم كومبارس لا يعلمهم إلا من يدفعون لهم أجورهم في نهاية الأدوار التمثيلية الثانوية.

لا بد أن ما دفع هذا الفنان لمثل هذا التصرف، هو جرعات الغرور المتلاحقة التي تلقاها في مسيرته الفنية، حتى تناسى أبناء جلدته ولسانه ودمه، وأظهر للعالم كم يحترم الفنان العربي جمهوره الذي أفرط بدوره هو الآخر، في البساطة والصفح المقيت أحياناً.

حيث تمثل في تصرف تلك الفتاة التي عادت تزاحم لالتقاط صورة تذكارية مع من صفعها قبل ثوان، وكأن شيئاً لم يكن. لقد نسي هذا الفنان القدوة الذي ترشح للأوسكار عام 1962، أن طريق الغرور هو طريق انطفاء النجوم، وأول درجة من درجات التجاهل الإعلامي والاجتماعي، ووعي الجمهور في مجمله، كفيل بأن يحطم صورة الممثلين (المرضية) مهما كانت متألقة، ما دام ينظر إلى الناس على أنهم أدنى منه والأمثلة على ذلك كثيرة، ربما يعلمها عمر الشريف أكثر من غيره.

وإذا كنا نقدر الكثير من الفنانين الملتزمين الذين يشكلون نماذج اجتماعية تصلح للاقتداء، المحافظين على طريق الثقة بين شهرتهم الكبيرة وقربهم من الناس، إلا أننا نَعجب من بعض الممثلين الذين أوهمهم طول لعب الأدوار السينمائية أو التلفزيونية أنهم فوق البشر، وحشروا أنفسهم ضمن سجن الأدوار حتى باتوا يمارسون التمثيل في حياتهم الخاصة خارج خشبات المسارح، فتراهم يقدمون للناس في بداية حياتهم الكثير من الرسائل الإيجابية عن أخلاقهم وتواضعهم وقربهم من الجمهور.

حتى إذا تنسموا شيئاً من أريج الشهرة انقلبوا على الناس وازدروهم، وحسبوا أنهم متفضلون على البسطاء إن مثلوا أمامهم مشكلاتهم، ولا يعلمون أن الناس أوعى بمشكلاتها من كثير من الممثلين اللاهثين وراء الأموال والأضواء والليالي المصبوغة الفاتنة. الفن كما نعرفه ويعرفه الجميع، هو قبل كل شيء رسالة سامية، بل من أعظم وسائل التواصل الاجتماعي لبلورة الأفكار، وصناعة الرأي العام الناضج القادر على إحداث التغيير الاجتماعي، حتى قال نابليون بونابرت القائد الفرنسي الشهير، في يوم من الأيام: "أعطني مسرحاً أعطِك شعباً"، فأي شعب يمكن أن يخرجه أمثال هؤلاء الممثلين الذي لا يرون شعبهم من الأصل!

ومهما كانت المبررات الشخصية التي قد يتذرع بها البعض، هروباً من النقد الاجتماعي، إلا أن الأمر يحتاج من الفنان إلى قدرٍ كبيرٍ من الصبر والإنسانية، ليستطيع استيعاب الناس، ما دامت تصرفات هؤلاء لم تصل حد المضايقات الشخصية، بل كل ما في الأمر صورة شخصية أو توقيع على "أوتوغراف".

إننا بلا شك أمام قضية جوهرية عميقة الدلالات على المستوى الاجتماعي، ربما تكون موجودة في الغرب، إلا أنها في بلادنا وفي زماننا هذا لم تعد مقبولة أبداً، تلك الظاهرة هي رداء الغرور الذي يرتديه كل من لمع نجمه ولو في برنامج محلي، وكأن النظر إلى الناس من شرفة الشهرة هو من لوازم الحفاظ عليها، حتى أن بعض لاعبي كرة القدم أصبحوا يتطاولون على الناس والصحافيين، وكأنهم يعملون لهم منة لوجه الله ولا يتقاضون الملايين على وظيفة يتكسبون منها، ولو أعلن الجمهور مقاطعة هؤلاء فأين سيكون مصيرهم؟

النجومية صناعة شعبية بامتياز، وللشعوب والجمهور يعود الفضل الكبير فيها، فهم اللاعبون الحقيقيون على مسرح النجوم، وهم القادرون على زيادة ألق أولئك النجوم أو إخبات نجوميتهم، وهم الرصيد الحقيقي لأي فنان يحترم ذاته قبل جمهوره، ومتى ما فرط الفنان في رصيده سيقع ولن يأسف عليه أحد.