في لحظة تأمل هادئة، وبعيداً عن الأحداث الجارية في المنطقة العربية، وخاصة أنها تؤكد على التراجع في الحلم العربي، في معظم المجتمعات العربية، إلا ما ندر، يتبادر للذهن مجموعة من الأسئلة التي تسمى السهل الممتنع، فالواقع يؤكد على أن هنالك خطأ قد حدث في مكان ما وفي مجال من المجالات سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وإلا كيف يحدث هذا والأمة تمتلك كل مقومات التقدم والرقي، مما يدفع البعض للتفكير بالأيام الخوالي، وسيطرة أحلام اليقظة، والتي تريد أن تعيد عجلة الأيام إلى الخلف، حتى إن حضور النشاطات العامة، حتى على المستوى الرياضي، فإن الحضور والمشاركة بها قد انخفض بشكل يدعو إلى التعجب، فمباراة كرة القدم وهي اللعبة الشعبية في المجتمعات العربية، قد عزف عنها أغلبية المشجعين، وقد تكون المدرجات شبه خالية، اللهم في المقصورة الرئيسية، هذا في المجال الرياضي، أما في المجال الثقافي، فإن الأزمة بارزة بشكل واضح، وكأن الجمهور لا يرغب في الاستماع إلى المحاضرات وغيرها، اللهم إلا فيما ندر، قد يكون السبب تعدد الأنشطة في نفس اليوم، وفي مناطق متفرقة، وربما تكرارها، ويعتقد الكثيرون إن لا جديد في جعبة المتحدثين.

إن الأزمة الثقافية العربية هي انعكاس لأزمة نمط الحياة، وإن هموم الإنسان العربي، باتت محصورة في توفير لقمة العيش، في ظل تنامي الجشع التجاري، ورفع الأسعار من دون رقيب أو حسيب. هل هذا أيضاً تراجع في المجال القانوني الذي يحدد العلاقة بين الأطراف المختلفة، أم إن القوانين أصبحت حبيسة الأدراج، وحكم عليها بالسجن المؤبد.

والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة، هل راجعت المؤسسات الثقافية هذه الوضعية؟

إن الإعداد لمشروع وطني لدراسة هذه النكسة الثقافية بات من الأولويات لإنعاش الثقافة وإخراجها من غرفة الإنعاش والابتعاد عن المظهرية.

كانت مؤسسات النفع العام، تستقطب العديد من الأفراد، سواء من الذكور أو الإناث، من الشباب وكبار السن، ومن مختلف الفئات الاجتماعية، هل يعقل أن تطور وسائل الاتصال ساهم في بقاء العديد تحت أسقف منازلهم، ومتابعة ما يجري سواء عن طريق التلفاز أو جاز الكمبيوتر وغيرها من الوسائل. معظم الأنشطة الثقافية تنتهي مع نهاية الافتتاح الرسمي وتخلو المقاعد من الجمهور، إلا الندرة، سواء منظمي ذلك النشاط أو الصحفيون بحكم وظائفهم في نقل النشاط عبر صفحات الجرائد أو المحطات التلفزيونية. هل هي عودة إلى الهدوء والسكينة من جديد، أم أنها موقف مما يجرى ولكن بدون ضجيج أو همس؟

لعل التساؤل عن أهمية مؤسسات المجتمع المدني ودورها يصب في صميم الأزمة، إن سيطرة التفكير في الثروة، وبشكل سريع قد يكون أحد الاسباب وخاصة لدى الجيل الجديد، فهو يفكر في اقتناء أحدث الموديلات سواء السيارات، الساعات وغيرها من الأشياء، سواء كانت أساسية أو كمالية، وباتت القراءة لدى هذا الجيل في أسفل السلم الاهتمامي لهم. والمكتبة أصبحت جزءاً من الديكور العالمي لبعض المنازل.

إن المحاولة الأولى للخروج من هذه الأزمة يكمن في إبراز الجيل الجديد من يطلع ويقرأ، ويا حبذا لو خصصت المحطات التلفزيونية لقاءات مباشرة، والتحدث عن الكتب أو الكتاب الذي يقرؤه ذلك الشخص. وما هو المانع من وجود برنامج أسبوعي عن القراءة لدى الشباب، كما هو الحال في بث أحدث الأغنيات العربية والأجنبية، إلا يلاحظ الشباب العربي أن المواطن الغربي يقرأ في كل مكان، سواء في الباص أو القطار أو حتى الطائرة. إن المعرفة هي التي تجعل الأمم متقدمة ومتطورة وتكتسب كل جديد في كل المجالات، وضمن اهتمامات الإنسان نفسه. لن تتقدم الأمم إلا بالاهتمام بالعلم والعلماء، ألا يثيرنا تميز بعض الشعوب في العلوم وفوز أبناؤها بكل الجوائز العالمية مثل جائزة نوبل؟، أليس من المؤسف أن المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص يحتفظون بموقع في أسفل السلم دائماً.

لماذا ازدادت الطائفية والعرقية والشخصانية في معظم الدول العربية، لدرجة بروز شياطين الحروب الأهلية والدمار الشامل، أين هي روح المحبة والتآلف بين الأفراد، هل هو مؤشر على عودة في المجتمعات العربية للعصور الوسطى، ما تقوم به الحكومة العراقية الحالية هو من أجل تفتيت العراق وخلق لجمهورية رعب جديدة، وما يحدث في اليمن حالياً يصب في نفس مجرى ذلك النهر الخبيث، إن الإنسان العادي في حيرة من أمره فما إن يرفع رأسه عالياً، حتى تأتيه الضربات من كل الجهات، حتى يفقد الوعي، ويتمنى أن يكون نبتة برية تعيش في سلام.

لعل كل ما سبق يؤكد على العزوف على المشاركة ويجيب علىكل ما سبق والله أعلم.