استضافت أبوظبي قبل يومين، أول حوار استراتيجي روسي خليجي على مستوى وزراء الخارجية، في خطوة إيجابية متقدمة لتحقيق تفاهم وتعاون استراتيجي أعمق بين مجلس التعاون والاتحاد الروسي في جميع المجالات، بما يؤشر لنوع من التوازن الاستراتيجي في العلاقات العربية الخليجية مع الدول الكبرى.
ويأتي هذا الحوار في ظل ظروف عربية وإقليمية وعالمية بالغة الدقة، تحتاج مزيدا من الحوار والتعاون المشترك، وصولا إلى تفاهمات استراتيجية نحو التوافق لحل المشكلات الوطنية والإقليمية والدولية بالوسائل السلمية وليس بالقوة العسكرية، تدعيماً للسلام والاستقرار وفق قواعد القانون الدولي، وتعزيز التعاون لعبور الأزمات الاقتصادية وتوفير الرخاء المشترك لشعوب العالم طبقا لميثاق الأمم المتحدة.
هذا الحوار الاستراتيجي الهام، كان مجالا لإعلان الجانبين، الخليجي العربي برئاسة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، رئيس الدورة الحالية لوزراء خارجية مجلس التعاون، والروسي برئاسة سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا الاتحادية، مواقفهما من القضايا المختلفة التي تطرح نفسها بقوة على الجانبين.. وكانت أهم الموضوعات الرئيسية التي تمت مناقشتها في هذا الحوار الاستراتيجي، هي العلاقات الثنائية بين الجانبين والأوضاع العربية والمسائل الإقليمية.
ثنائيا، بالعمل على تعميق الحوار حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، ووضع خطة لتطوير العلاقات الخليجية الروسية والعمل المشترك، لتعزيز التعاون بينهما في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها.
وهو ما حدده الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في كلمته الافتتاحية، مشيرا إلى الأهمية الخاصة لهذا الحوار في ظل الظروف والتحولات السريعة التى تشهدها المنطقة، والتي تتطلب بذل المزيد من الجهود وتبادل وجهات النظر والتشاور، والعمل على تعزيز الأمن والاستقرار لهذه المنطقة الهامة والمحورية في العالم، وبتأكيده أن دول مجلس التعاون ترى في روسيا الاتحادية شريكا استراتيجيا مهما، لما لها من ثقل ودور إيجابي في المجتمع الدولي.
وعربيا، أوضح أن دول مجلس التعاون تتابع باهتمام ما يجري في بعض الدول العربية، مؤكدة أهمية روح التفاهم والحوار الذي يخدم مصالح هذه الدول وشعوبها، كما تبذل الجامعة العربية ومجلس التعاون جهودا بناءة للتوصل إلى توافق يرضي الأطراف المعنية، ويضع حدا للتوتر وعدم الاستقرار في هذه المنطقة، وهو ما ظهر واضحا في المبادرة الخليجية العربية بشأن اليمن، ومبادرة الجامعة العربية بشأن سوريا.
أما إقليمياً، فقد دعا روسيا إلى المبادرة في إرساء الأمن والاستقرار في الخليج، بحث إيران على إرساء تدابير بناء الثقة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإظهار الشفافية والتعاون في ملفها النووي طبقا لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتنفيذ قرارات مجلس الأمن. وخلال المؤتمر الصحفي لرئيسي الجانبين في ختام الحوار، كان المجال أوسع وأوضح لإظهار المواقف المتقاربة الروسية والخليجية، حول المسائل التي شغلت اهتمام الصحفيين، والتي برزت في مقدمتها وسائل حل الأزمة السورية وبوادر حل الأزمة اليمنية، وقبول فلسطين عضوا في منظمة اليونسكو الأممية، وهو ما خرجنا منه بتصريحات إيجابية ومشجعة وبالغة الأهمية.
فقد تقاربت المواقف بأوضح صورة حول وسائل حل الأزمات العربية المتفجرة، بالاتفاق على ضرورة وقف العنف المتبادل من كل الأطراف، واعتماد منهج الحوار الوطني والتفاوض السياسي بين الحكومات والمعارضة، وصولا إلى ما يحقق مصلحة الوطن ويستجيب لمطالب الشعب في الإصلاح، خصوصا في الأزمة اليمنية بالموافقة الروسية على قرار مجلس الأمن الأخير الذي يعتمد المبادرة الخليجية كأساس للحل.. وفي هذا الشأن أشار سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، إلى أن سفير روسيا في اليمن على اتصال مع سفراء دول مجلس التعاون في صنعاء، موضحا أن مشاركة الدول الرئيسية والكبرى في هذا الموضوع، كان لها أثر كبير في تقريب وجهات نظر كافة الأطراف اليمنية.
ومثلما ظهر تقارب المواقف الخليجية والروسية بصورة ملحوظة تجاه وسائل حل الأزمة السورية، باتفاق الجانبين على رفض التدويل والسعي إلى التعريب، ورفض التدخل العسكري والسعي إلى الحل السلمي، بدعم مبادرة الجامعة العربية التي تدعو لوقف العنف أيا كان مصدره، وجمع الحكومة والمعارضة السورية في حوار سياسي للتوافق الوطني على الإصلاحات المطلوبة، بما يرضي الأطراف ويستجيب للتطلعات الشعبية. فكان ما أكده رئيس الجانب الخليجي العربي بالقول الواضح "إننا لا نريد تدويل القضية السورية، ونريد معالجتها تحت مظلة الجامعة العربية للخروج من هذه الأزمة"، مشيرا إلى أن "هناك بوادر إيجابية نسمعها الآن وسنرى النتيجة في الاجتماع العربي في القاهرة".
موضحا أن "الجميع متفق على ضرورة الالتفاف العربي والحوار الوطني السوري للخروج من الأزمة".. من جانبه أكد رئيس الوفد الروسي بحسم واضح أن "روسيا لا تدعم أي نظام سياسي بقدر ما تدعم القانون الدولي، لكن موسكو لن تسمح بتكرار السيناريو الليبي في سوريا، إذ نخشى أن يعتبر النموذج الليبي هو النموذج الصحيح، والنموذج الذي يطبق في اليمن هو النموذج الذي يحتذى".
وتابع قائلا: "لدينا العديد من الأسئلة حول مدى التزام "الناتو" بالقانون الدولي بشأن ليبيا، وبعد الدراما المأساوية الليبية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين بحجة حماية المدنيين، نشعر بقلق من وصفه بأنه نموذج للمستقبل". وأخيرا قال لافروف: لن نسمح بعزل سوريا دوليا، محذرا من أنه إذا حصل أي شيء سلبي في سوريا، فإن العديد من دول المنطقة سيشعر بعواقب الأزمة السورية.
وبخصوص الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل ضد قبول عضوية فلسطين في اليونسكو، أكد الجانبان العربي والروسي، شرعية المطلب الفلسطيني ومسؤولية القبول الدولي. بقي لنا القول، إن أول عناصر السلام بين الكبار هو توازن القوى.. بما لا يدع للدول الصغرى مجالا لتحقيق التوازن في القوى مع الكبار، إلا بالتجمعات الإقليمية وإقامة علاقات متوازنة مع كل الكبار في الغرب والشرق معاً، حتى لا تكون الشريك الأضعف والأصغر لهذا أو لذاك.