على قدر الكم الهائل من الإيجابيات التي أهدتها لنا التقنيات الحديثة، وثورة المعلومات والعالم الرقمي الذي أصبحنا جزءاً منه شئنا أم أبينا، إلا أن هذه الثورة المعلوماتية حملت لنا أيضاً كماً لا يقل أهمية ولا حجماً من الأضرار والسلبيات، لنصبح تحت سطوتها وتحكمها فينا عبر الدفق المعلوماتي الهائل الذي تتخمنا به. وكل يوم تسابق التقنيات الزمن وتلاحق أدق أحلام الخيال العلمي، لتجعله طيعاً في حياة البشر الآن.. الآن وليس غداً، ولم يعد هناك في عالم التكنولوجيا شيء اسمه المستحيل، ما دامت العقول البشرية على امتداد الأرض وملء الفضاء، تتنافس لتقديم الأحدث والأدق والأخص في كل ما يطوف بحياتنا من أشياء وحاجات وعلاقات.
ربما في غمرة هذه الثورة وزهوها، بدأنا ندخل نفقاً لا أقول مظلماً بقدر ما هو مزعج، ولا أقول مجهولاً بقدر ما هو مرفوض، ذاك النفق هو اقتحام الخصوصية الفردية والتعدي على أقرب متعلقاتها، والنيل من ذاتية الإنسان، لترقى إلى مستوى "الجرائم ضد الذات الإنسانية".
الخصوصية الفردية، أو ما يعرفه كل واحد منا عن نفسه ولا يرضى لأحد أن يطلع عليه مهما كانت درجة قربه منه، استطاعت التقنيات الحديثة أن تتسلل إليه في غفلة من صاحبه، لتجعله كلأً مباحاً للجميع يأخذ منه ما يشاء لما يشاء وكيف شاء!
قبل أيام ظهر تحذير لا بد من الوقوف عنده ملياً، أصدره أحد مراكز البحوث الاجتماعية والجنائية في عالمنا العربي، ينبه إلى مغبة تسليم الخصوصيات للآخرين عبر استخدام الهواتف ذات التقنيات الحديثة، لأن تلك التقنيات تحمل خاصية التتبع التي يمكن من خلالها تحديد وجود مستخدمها في أي مكان، كما أن كاميرات مثل هذه الهواتف تصور صاحبها من دون أن يدري، ونصحوا مستخدميها بعدم وضع صورهم الشخصية عليها.
لإمكانية نقلها عبر الأقمار الاصطناعية من دون معرفتهم. وطالب الباحثون بعدم إعطاء بيانات شخصية، أياً كانت، لمواقع التواصل الاجتماعي، وعدم فتح كاميرا جهاز الكمبيوتر أثناء التشغيل، وألا تكون موجهة لغرفة المعيشة أو النوم، على أن تكون موجهة للحائط عند عدم الاستخدام، لأن هناك برامج تؤدي إلى تشغيلها وهي مغلقة. عالم كالسحر ذاك الذي أصبحنا لا نأمن فيه على أنفسنا من أنفسنا، ونرصد ونلاحق في أدق خصوصياتنا، وقد يصل الأمر بالبعض لأن يصبحوا مادة للتشهير الظالم، أو الابتزاز الآثم بجميع أنواعه، من حيث لا يدرون.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من التقنيات التي لكأنما يحطم بها الإنسان كيانه بمعول يحمله في يده ويبدعه بعقله، فقد أصبح الآن من الممكن، ولو بعد سنين من تعميق التجارب، التعرف إلى الأفكار التي تدور في ذهن الإنسان، من خلال نظام مسح دماغي طوره العلماء، لنخرج من رومانسية قولنا العربي "إن ما في النفس تفضحه العيون"، إلى أن يصبح ما في النفس تفضحه أجهزة المسح الدماغي! ولن تستطيع بعد الآن إخفاء حتى أفكارك الخاصة في عقلك، في نقلة نوعية خطيرة تجعل البشر زجاجات شفافة، ما في داخلها هو ذاته ما في خارجها..
وضعٌ لا أظن أحداً يقوى على تقبّله، فضلاً عن الرضى به، فما الذي تركته لنا الرقميات المبثوثة في كل فضاءاتنا ولم تقتحمه؟ فقد قضت على خصوصياتنا وحقنا في الحفاظ على حرماتنا وأسرارنا الخاصة، وانتشرت في الفضاء أسماؤنا وعناويننا ووظائفنا وحالتنا الاجتماعية والصحية، بل ونوعية مشترياتنا، ما يهدد مستقبلنا ويعرضنا لمخاطر جمة لم تكن في الحسبان.
وإذا كنا مع ذلك لم نعد نستطيع الفكاك من مثل هذا الأسر والاستغناء عنه، إلا أننا نملك القدرة على الحد من تغوّل هذه التقنيات واقتحامها لخصوصياتنا، بمزيد من الوعي الفاعل والمبرمج، وعدم الانجرار وراء الدعوات المفتوحة على الفضاء الإلكتروني للبوح بما لا يجوز البوح به، وإيداع الهواء التكنولوجي أسرارنا الخاصة، حتى لا يأتي اليوم الذي لا نستطيع استرجاع ما تركناه في عهدة الفضاء.
أمر آخر ربما يساعد في الحد من حجم هذه المشكلة، وهو يتعلق بالمسؤولين الأمنيين، بأن يكثفوا الجهود ويستعينوا بالخبرات الفنية المؤهلة خصيصاً في هذا المجال، لضمان حماية الأفراد من أضرار التقنيات التي يعتمد عليها بعض ضعاف النفوس، والعمل اجتماعياً على سنّ المزيد من القوانين الرادعة، الكفيلة بمنع التجرؤ على خصوصيات الناس مهما كانت.
وتبقى كلمة، ربما لا تجد أذناً مصغية في عالم أصبحت تحكمه المادة والتنافس التجاري والأرباح بأرقام فلكية متسارعة، تلك الرسالة هي لمراكز الأبحاث التقنية التي تلقي كل يوم بجديدها في عالمنا وحياتنا، بأن تقف ولو مرة مع الجانب الأخلاقي المعادل لتقنيات المعلومات، وهو الجانب الذي نحتاجه جميعاً بلا استثناء، وهو الضامن لاستقامة خط سير الحضارة والتكنولوجيا نحو أهدافها الإنسانية، ولكن.. من يسمع صوت الأخلاق في جعجعة طواحين الفضاء المفتوح؟!