كانت المعارضة الصاخبة، والتعطيل في مجلس الشيوخ، والجمود في مجلس النواب، تعد في وقت من الأوقات سياسات ديمقراطية إلى أبعد الحدود. وقد دافع السيناتور أوباما ذات مرة عن محاولاته لعرقلة التصويت على تثبيت التعيينات القضائية، قائلاً: "لقد كرس الآباء المؤسسون سياسة التعطيل كوسيلة لحماية الأقلية من طغيان الأكثرية".

 وفي عام 2005، شعر التقدميون بالارتياح لأن أقلية ديمقراطية تسببت لتوها في جمود الكونغرس، منهية خطة الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي كان قد أعيد انتخابه، لإصلاح الضمان الاجتماعي. والجمود، بعبارة أخرى، كان أداة دستورية مفيدة متى ما رغب حزب أقلية ما في عرقلة مبادرات الرئيس التشريعية. واقترح السيناتور أوباما، الذي كان يتسم ببرودة الأعصاب حينذاك، أن "يتراجع" بوش ومؤيدوه في الكونغرس و"يتخلوا عن غرورهم".

ماذا عن المعارضة الصاخبة لرئيس حالي؟ في الحقيقة، في عام 2003، صبت السيناتورة هيلاري كلينتون جام غضبها على أولئك الذين زعمت أنهم طالبوا بمعارضة أقل حدة، حيث قالت: "لقد ضقت ذرعاً بالأشخاص الذين يصفونك بغير الوطني، لمجرد مناقشتك لسياسات هذه الإدارة".

من الممكن ذكر المزيد من الأمثلة، ولكن ما ذكر يكفي لتقديم مفارقة لموقف اختلف كثيراً وبصورة مفاجئة، حيال ما كان منذ مدة قصيرة ينظر إليه على أنه تعقيد رائع في الديمقراطية الأميركية.

خذ على سبيل المثال باراك أوباما، وهو الرئيس الأميركي الحالي والمحبط في ما يبدو. فهو غاضب لأن جهوده التقدمية تواجه معارضة تشريعية، حيث قال: "كنا ندرك أن هذا سيستغرق وقتاً طويلاً بسبب هذه الديمقراطية الكبيرة الفوضوية والصعبة". وقد أسهب أوباما في الحديث عن "الفوضوية" أمام ناشطي "لارازا"، الذين يريدون العفو عن المهاجرين غير الشرعيين، من خلال التحسر على أنه لا يستطيع أن يقوم بطريقة أو بأخرى "بتجاوز الكونغرس وتغيير القوانين دون الرجوع لأحد".

وأضاف في وقت لاحق لغرض التأكيد: "صدقوني، إن فكرة قيامي بالأشياء دون الرجوع لأحد، هي فكرة مغرية للغاية". وعلى حد تعبير السيناتورة السابقة هيلاري كلينتون، فإن كثيراً من الناس "ضاقوا ذرعاً" من الجهود التي تبذلها إدارة أوباما لإسكات المنتقدين.

ففي بادئ الأمر، وخلال الحملة الانتخابية عام 2008، كان هناك "فايت ذا سميرز"، وهو موقع إلكتروني أطلقه فريق أوباما لرصد المنتقدين. ومن ثم "جورنوليست"، وهو منتدى خاص بالليبراليين من النقاد الإعلاميين ذوي التأثير، ينفسون فيه عن غضبهم الشخصي إزاء انتقاد الرئيس الأميركي باراك أوباما. والآن، هناك إصدار آخر وهو "أتاك ووتش دوت كوم"، وهو موقع مريب، يحوي صوراً مثيرة و"ملفات" شبيهة بالملفات الحمراء والسوداء الخاصة بجهاز المخابرات، ويتوسل إلى القراء ليبحثوا عن أمثلة على الانتقادات الموجهة لأوباما ويرسلوها إلى الموقع.

في الواقع، تخلى العديد من السياسيين والمعلقين الليبراليين بصورة مفاجئة، عن حبهم لديمقراطيتنا "الفوضوية" السلفية، حيث عبر حاكم ولاية نورث كارولينا بيفرلي بيرديو مؤخراً، عن استيائه إزاء الجمود الحالي بشأن مشروع قانون الوظائف الذي اقترحه أوباما، فقال: "أعتقد أنه يتعين علينا أن نؤجل، ربما، انتخابات الكونغرس لمدة سنتين، وأنا آمل حقاً أن يوافقني الرأي شخص ما".

وقد عبر المدير السابق لميزانية أوباما، بيتر أورزاغ، هو الآخر عن غضبه بشأن "الحكايات الخرافية التي تسردها التربية الوطنية حول ديمقراطية تمثيلية نقية". فقد صرح بشكل مفاجئ، وبعد انتخابات 2010 النصفية، بأنه يريد الآن "مجموعة جديدة من القواعد والمؤسسات التي من شأنها أن تجعل القصور التشريعي أقل ضرراً على صحة أمتنا على المدى الطويل". ومنذ وقت غير بعيد، تحسر الكاتب فريد زكريا على جمود الدستور الأميركي نفسه، وأعرب عن رغبته في أن يتم تغيير الكلية الانتخابية "غير الديمقراطية إلى حد كبير"، إلى جانب طريقة انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ.

هل يعد هذا الاستياء الليبرالي المفاجئ إزاء الديمقراطية "الفوضوية"، مجرد سياسة أميركية تقليدية واضحة في كلا الحزبين، حيث يشيد حزب الأقلية في "الخارج" بالعرقلة لمجرد أن يندد بها عندما يصبح الحزب الحاكم في "الداخل"؟ هذا شيء مؤكد.

ولكن هناك مشكلة أعمق في ما يتعلق بفرضية "الأوبامية" ككل، التي لم يتم إقناع الناخبين بها كمجرد بديل ديمقراطي آخر، وإنما كحركة أمل وتغيير كلية. وقد كانت الأوبامية من شأنها القيام بكل شيء، بدءاً من تبريد كوكب الأرض إلى خفض منسوب المياه المرتفع، نظراً لأن المحررين والمؤرخين شبهوا مبتكرها بالقوة الخارقة، ووصفوا رجلاً شبه مبتدئ، بأنه أذكى رجل ينتخب رئيساً للبلاد!

وإذا كانت استطلاعات الرأي والاقتصاد يدلان على شيء، فهما يدلان على أن ذلك الحلم الطوباوي انتهى الآن على الأرجح. وإحدى طرق تفسير انهيار أوباما غير المتوقع، هي أن رئيساً لا يملك سوى القليل من الخبرة التنفيذية السابقة، لم يكن ليرقى إلى مستوى مهمة إدارة أقوى دولة على امتداد التاريخ. وطريقة أخرى للتفسير قد تكون متعلقة بأجندته الخاطئة. فقد حصل التقدميون مؤخراً على رسولهم المنتظر، الذي يختلف عن الرئيسين الأميركيين السابقين؛ جيمي كارتر غير الكفؤ، وبيل كلينتون المحايد.

ولكن رسالته اليسارية أحبطت الشعب الأميركي كما لم يحدث من قبل. وهناك في ما يبدو تفسير ثالث أكثر نفعاً، فقد أصبح النظام الأميركي ذاته، فجأة، خلال العام 2010، أكثر جموداً وإعاقة من أن يقدّر أجندة أوباما، لذا لا بد من تغييره الآن. وكم هو غريب أن ينسى بعض المفكرين التقدميين، المغالطة القديمة التي تفترض أن الغاية النبيلة لا يمكن أبداً أن تبرر الوسيلة المشكوك فيها، أو قول أمير الشعراء وليام شكسبير إن المشكلة ليست في النجوم، ولكن في أنفسكم!