فيما أعلنت الهيئة العليا للانتخابات في تونس نتائج انتخابات المجلس التأسيسي الذي سيتولى صياغة الدستور وعرضه على الشعب في استفتاء عام، بفوز واضح «لحركة النهضة «التونسية ذات التوجهات العربية والإسلامية. أعلنت اللجنة القضائية العليا للانتخابات المصرية إتمام عملية الترشيح لانتخابات مجلس الشعب انتخاب لجنة صياغة الدستور في ظل توقعات بفوز واضح للقوى السياسية الإسلامية، ويليه انتخاب رئيس للجمهورية بواسطة الشعب.
واللافت أن الثورتين الشعبيتين التوأمين تواصلان طريقهما الديمقراطي بإرادة شعبية واضحة وفي ظل قيادة انتقالية مؤقتة لإتمام المرحلة الأولى بالانتخابات التأسيسية في تونس العربية والبرلمانية في مصر العربية، برغم الاضطرابات التي تصنعها القوى المضادة في الداخل والأجهزة المتآمرة في الخارج لتعطيل مسار العمليات الانتخابية والتحولات الديمقراطية.
فهناك علاقة تقاطع كبيرة حافلة بالكثير من أوجه التشابه بين الثورتين التونسية والمصرية، سواء في طبيعة الأداة الثورية أو في الآلية الشعبية أوفي الأهداف السياسية.. الوجه الأول هو شعبيتها، والثاني هو سلميتها، والثالث هو ديمقراطيتها والرابع هو حضاريتها. ك
ما أن الثورتين الشعبيتين التوأمتين تشاركتا أيضاً في توقيت انطلاقها حيث أن كلا منهما يمكن أن يطلق عليه «ثورة يناير العربية الشعبية»، في الخامس عشر من يناير في تونس وفي الخامس والعشرين من يناير في مصر. وبينما انطلقت الثورتان معا في يناير فقد أعلن سقوط رأس النظام فيهما معا في فبراير. مثلما تشابها أيضاً في الموقف الحكيم للجيش الوطني إلى جانبها بداية برفض التصدي لها بالقوة أو برفض إطلاق النار على المتظاهرين السلميين من أبناء الشعب انطلاقا من أن إيمان الجيش المصري والتونسي بأنه جيش الشعب.
حدث ذلك عندما اعتصمت أطياف الشعب التونسي في «ساحة القصبة» قلب العاصمة التونسية، وحينما اعتصمت أطياف الشعب المصري في «ميدان التحرير» قلب العاصمة المصرية مطالبة بإسقاط النظام، وتحقيق مطالبهم الثورية، بانتخاب مجالس برلمانية غير مزورة، ووضع دستور جديد يؤكد سيادة الشعب ويضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين بغير تمييز، لإحداث تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي حقيقي في البلدين الشقيقين.
هذا، فضلا عن الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحركة للثورة مثل الاستبداد السياسي، والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي، وعن الأهداف المشتركة سعيا إلى الحرية والديمقراطية الحقيقية، والعدالة الاقتصادية الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، كان القاسم المشترك الأعظم بين الثورتين هو الإصرار على سلمية الثورة رغم مئات الشهداء والمصابين بالآلاف، والتصميم على وطنية الثورة بعدم السماح لأي تدخل خارجي بأي شكل أن يشوه نقائها الوطني.
وذلك على خلاف أشكال الحراك الشعبي الذي لم يكتسب بعد صفة الثورة، والتي عبرت عن نفسها بوسائل احتجاجية غير سلمية وغير ديمقراطية، والتي استعانت بعضها بتدخلات عسكرية أجنبية، بل وطالب بعضها بقرارات دولية ضد بلادها بما خصم الكثير من رصيدها الشعبي أو الوطني ولم يكسبها حتى الآن صفة الثورة.
وهنا دعونا نتذكر أن كلمة «الثورة» لم تطلق أساسا إلا ببعدها الوطني وأداتها الشعبية، حيث لم تطلق إلا على تحركات الشعوب المحتلة لتحرير أوطانها ضد قوات الاحتلال قبل الاستقلال، مثل ثورة يوليو المصرية التي كان القضاء على الاستعمار الإنجليزي وأعوانه من الخونة من المصريين هو أول أهدافها الستة، وثورة التحرير الجزائرية التي تطل علينا ذكراها بعد غد في الأول من نوفمبر، والتي قدمت فداء لتحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي ثمنا باهظا مقداره مليون ونصف المليون شهيد على مدى سبع سنوات بعد احتلال بغيض دام 132 عاما.
غير أن كلمة «الثورة» شاع استعمالها بعد الاستقلال في غير موضعها لتصبح شعارا يوظفه كل شخص أو حزب يطمح بالسلطة أو قادر على تهييج الجماهير أو دفع بعضها إلى التمرد المسلح، كما اختلط مفهوم الثورة مع الانقلاب العسكري ومع الحرب الأهلية والفوضى غير الخلاقة والاحتجاجات والانتفاضات الشعبية الفئوية، وباستثناء الثورة الفلسطينية التي انطلقت في الأول من يناير عام 65 ومازالت تكافح إلى اليوم تارة بالكفاح المسلح وتارة بالانتفاضات الشعبية وبالمقاومة السياسية حتى تحقيق الاستقلال الوطني، يمكن القول أن الوطن العربي لم يشهد حراكا شعبيا واسعا لدرجة يجوز فيها توصيفه بالثورة الشعبية إلا ما جرى في تونس ومصر.
وكما أن هناك تشابها نسبيا بدرجة كبيرة بين التجربتين التونسية والمصرية في التحول نحو الديمقراطية، وهي حين تتشابه ولا تتطابق في أهدافها أو في آلياتها وفي طبيعتها، فلا يأتي ذلك استيرادا أو تصديرا، وإنما انعكاسا لتشابه القيم الثقافية والحضارية التي تكسب التجربة طبيعتها ومحدداتها، ولتشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الدافعة إلى التغيير بالثورة.
ذلك أن التجارب الثورية والنماذج الديمقراطية في العالم عموما وفي الوطن العربي خصوصا قد تتشابه وقد تستفيد من سابقاتها بالاستفادة من دروس أخطائها أو من أسباب نجاحها، ولكنها غير قابلة لا للتصدير ولا للاستيراد وبالتالي فهي غير قابلة للتكرار أو للتطابق.
وبينما يمكن لبعض التجارب الثورية أن تتحقق سلميا شعبيا أو عسكريا بدون إراقة دماء في شكل ثورة بيضاء سواء كانت مدنية بواسطة جماهير شعبية، أو كانت بواسطة قوات عسكرية بإرادة شعبية وتعبيرا عن أهدافها وهذا هو الأصل المرغوب فيه إذا بدت الحاجة للتغيير الفوري لا سبيل إلى تجنبها.
شهدنا أيضاً بعض التجارب الدموية التي تستولي على السلطة باستخدام القوة بما يسمى بالعنف الثوري أو بالتمرد المسلح في شكل ما يسمى ثورة حمراء، وهذا هو الاستثناء غير المرغوب فيه شعبيا، إن لم يكن مرفوضا ومدانا بشدة لما له من تداعيات سلبية وطنية وثأرية دموية تالية بين القوى السياسية، خصوصا إذا فتح الباب لتدخلات أجنبية أو لانقسامات وطنية.
وبينما يمكن للتجارب الديمقراطية أن تتحقق بالوسائل السياسية والإصلاحية والدستورية التقليدية وليس بالوسائل الثورية، فإن الثورة أي ثورة لا يمكن أن يكتمل مبناها ومعناها من دون تحقيق الديمقراطية الحقيقية مبنى ومعنى، وإعادة السلطة للشعب عبر صندوق الانتخاب لوضعها تحت إدارته ووفق إرادته لتكون السيادة كلها للشعب.