العاصفة السياسية الهائجة في مختلف بلدان العالم لم تأت من فراغ، وليس لها أن تكون كذلك، وما نشاهده في مختلف أرجاء العالم، تعبير عن نتائج تراجيدية قادمة من أسباب محددة وعميقة، لا بد من معرفتها وتشخيصها حتى تسهل معالجة الداء ومعرفة الدواء.
كانت البداية في العالم العربي، وبدت الصدفة التونسية ترجماناً لضرورة موضوعية كمُنتْ في تضاعيف التاريخ والجغرافيا، وقبل حين قال الحكيم الصيني التاوي "رُبّ شرارة أحرقت سهلاً"، كما قال العرب قديماً "ومعظم النار من مستصغر الشرر".
وقد توقف علماء الأديان والتاريخ والفلسفة والبيولوجيا ملياً أمام ظاهرة الصدفة، وتوافقوا على أن كل صدفة ليست إلا ترجماناً لحقيقة موضوعية كامنة في المجتمع، وهذا يعيدنا إلى ذلك المربع السحري الذي تحدث عنه عالم الانتربولوجيا الشهير داروين، عندما تحدث عن الصفات السائدة والصفات المُتنحّية في الأنواع النباتية والحيوانية، ليفسر سبب "الصُدفة البيولوجية"، وكيف أن الانقلاب المدهش والغريب في الأنواع، كامن في جينات الكائن البيولوجي التي تحمل صفة غير ظاهرة "مُتنحّية"، لتعود بعد عدة أجيال.
لا نود هنا الاستطراد على مُقاربة داروين البيولوجية، ولكن تهمنا تلك المقاربة لإدراك مفهوم الصدفة، وكيف أن هذا المفهوم ليس مفارقاً لما هو موضوعي وواقعي، بل وضروري.. آية ذلك أن الأوروبيين الأنجلوسكسون، وقفوا مشدوهين أمام البجع الأسود عندما وصلوا إلى القارة الأسترالية، فهم لم يعرفوا من البجع إلا ذات اللون الأبيض، وحالما وجدوا أمامهم بجعاً أسترالياً داكن السواد، مادت بهم الأفكار الميتافيزيقية، فمنهم من اعتبرها سحراً من فعل السكان الأصليين، ومنهم من اعتبرها كائنات شيطانية! لكنهم بعد أن راجعوا ما ذهب إليه داروين حول الأنواع وتطورها، عرفوا أن البجع قد يتغيّر لونه بالصدفة البيولوجية النابعة من جينات وراثية مُستترة.
ذات القانون ينطبق على تطور التاريخ البشري، حيث تتقاطع الصُّدفة المحضة مع حقائق موضوعية جبْرية، وهذا ما ذهب إليه أساطين الديالكتيك الفلسفي المادي عندما قرنوا الصُدفة بالضرورة. وأذكر أن الراحل المفكر محمود أمين العالم، كتب رسالة دكتوراة عن العلاقة بين الصدفة والضرورة، مستنداً إلى رؤية كارل ماركس الذي طالما اعتبر أن الصُدفة قرينة الضرورة. ومن طرائف الفكر أن المتصوف المسلم البوصيري، قرن الضرورة بالحرية الحقيقية التي تتجاور مع نواميس الكون والطبيعة، فالحرية بحسب البوصيري لا تعني مُفارقة قانون الطبيعة، بل الاتساق معها، ولهذا قال:
فأكدت زهده فيها ضرورته * إن الضروة لا تعدو على العصم
فالضررة بحسب البوصيري قرينة الزهد والإقلال، والمعروف أن الإقلال يمثل أقصى درجات التماهي مع قانون الطبيعة الذي يُجبرك على احترام الناموس، وإذا لم تفعل ذلك دفعت ثمن اختيارك المفارق للناموس.. قال العلامة الشنقيطي "المرابط ولد متّالي":
المرء في الظاهر ذو اختيار * والجبر باطناً عليه جاري
وإن من عجائب الجبار * أن يُجبِر العبد بالاختيار
وبهذا المعنى يصبح الجبر قانوناً أسمى في الكون، والاختيار فضاءً مفتوحاً للإنسان، يتصرف فيه وفق قانون الجبر الإلهي، أو يتأبّى عليه فيدفع الثمن باهظاً.. قال تعالى: ((ونفس وما سوَّاها * فألْهمها فُجُورها وتقوَاها * قد أفلح من زكَّاها * وقد خاب من دسَّاها)).
من ذلك نصل إلى لطيفة اللطائف في معنى الصدفة، بوصفها جبراً لا مفر منه، وترجماناً لحقيقة موضوعية تراكمت وتبلورت، فخرجت تُعبّر عن نفسها بطريقة أو بأُخرى.
والحاصل أن المد العاصف في المنطقة العربية، ليس مجبراً على صدفة "بوعزيزية" تونسية مفارقة لنواميس الأرض والسماء، بل إن هذه الصدفة حملت في دواخلها مقدمات وإرهاصات وكفاحا.. بالنصيحة والصمت والتحمُّل والقول أيضاً، وهكذا بدا الاعتباط الظاهر تعبيراً عن جوهر آخر. والشاهد أن المتوالية تداعت لتشمل مصر وليبيا واليمن وسوريا، ولعلها تزحف إلى فضاءات عربية أُخرى، تناسباً مع قانون التاريخ ومكره، ولعلها تفتح مجالاً لمزيد من المخاضات العسيرة التي لا يمكن التنبؤ بأبعادها.
هذه الظاهرة فتحت سلسلة من الأسئلة المقرونة بشواهد ومشاهد لا تُنكر، فالربيع العربي أومأ إلى وحدة السؤال والقلق المجتمعي في العالم العربي، متجاوزاً الحواجز والجسور القطرية، كما أنه أشار بالبنان إلى خصوصية التراكيب السلطوية المؤسسية في كل بلد عربي، فالحالة التونسية تميّزت بوجود جيش لم يلتبس حصراً بالقمع، لأن النظام كان يركز على الأمن وأدواته. وفي المقابل اصطدمت السلطة المصرية بجيش محترف لا يقبل قمع المتظاهرين، ويقف على مسافة بعيدة عن الولاء العائلي المشهود في ليبيا واليمن، وسنرى تفاصيل أُخرى دقيقة في ليبيا واليمن وسوريا، من حيث المسافة بين المؤسسة العسكرية والنظام.
مثل هذه التفارقات لا توثر على المسار العام لعاصفة التغيير إلا بالمعنى التكتيكي للكلمة، فالنتيجة المتوقعة واحدة طال الزمن أم قصر.
كما أن ثورات الربيع العربي ذات الطابع الجماهيري الواضح، كشفت سلسلة من الحقائق التي لم تكن متوقعة بالحسابات السياسية المجردة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التناقض الكبير بين الوعي الاجتماعي والوجود الاجتماعي، والحالة الشبابية الرائية للمستقبل، والمُقيمة في جوهر القضية، وهو ما لم يكن مرصوداً في أذهان النخب، ممن أجمعوا دون حق على ركاكة وسطحية شباب اليوم. كما كشفت ثورات الربيع العربي، حالة التفكك الفعلي في البنية المؤسسية العربية التي طالما توهّمت أنها سبيكة مغلقة ومستغلقة، والشاهد تلك الانشقاقات البائنة في المؤسسات السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى حالة الانهيار والفشل الهيكلي في أجهزة الدولة.
المراقب الحصيف بحاجة إلى قراءة متأنية وتاريخية لهذه الظاهرة، فالمقولة القديمة حول "دهاء التاريخ" ما زالت حيّة، وللنظام العربي المُقيم في مرابع أوهامه، استيعاب قوانين التاريخ الجبْرية حتى يُريح ويستريح.