لا تشكل الأخطاء الفردية ولو تكررت، أي تأثير على سمعة الدولة ومكانتها، ما دامت تلك الأخطاء ضمن نطاق التصرفات الشخصية، لا سيما إذا كانت تلك الدولة مثل الإمارات، البلد المفتوح بذكاء وحنكة أمنية على جميع الجنسيات والفئات. فهذه التصرفات لا يمكن ضبط تكرارها، إلا تحت مظلة الأمن والقانون الذي يضع حداً لمنع وصولها إلى حدود الظاهرة المقلقة.
إلا أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية عن الجانب الأمني والقضائي، بل يوازيه أهمية، ألا وهو الإعلامي، فالخبر المبتور أخطر على الجمهور من التعتيم الإعلامي أو نشره كاملاً، وذلك أن نشر خبر مُبهم يضع القارئ في مهب التهويل والتفكير في المخفي، لدرجة أبعد من حقيقته.
قبل أيام نقلت إحدى صحفنا المحلية خبراً مقتضباً عن (أ. ف)، مضيفة طيران ألمانية من أصل مغربي، أدينت ثم برئت من تهمة تعاطي الحشيش، بعد أن ثبت وجوده في عينة فحوصاتها في المستشفى إثر نقلها إليه في حالة غثيان وإعياء، وبررت وجود آثار المخدر في جسمها بأنها تناولت قطعة من الكيك من جليس لها؛ هندي الجنسية، على طاولة في فندق من فنادق دبي، حيث غافلها وأعطاها كيك الحشيش وهي لا تعلم! هذا الجليس الفندقي «الصدفة» الذي لم تكن تعرفه حين التقته على الطاولة في أول الخبر، ثم أعطت التحريات رقم هاتفه الدولي الخاص في آخر الخبر، ألقي القبض عليه وأدين وأبعد عن الدولة، بينما تمت تبرئة المضيفة.
إلى الآن القصة ـ وكما يقال تحدث في أرقى المجتمعات ـ إلا أن خطورتها في الهفوات المعلوماتية التي تنعكس ظلالها على نفسية القارئ، ويبدأ في وضع الكثير من التساؤلات التي لا تخدم الحس الأمني الاجتماعي، ولا تقدم الفائدة المبتغاة من المادة الإعلامية.
وجود الكيك المحشو بالمخدرات في فنادق دبي، وتداوله على الطاولات، ألا يضع القارئ في رعب حقيقي من الوقوع في الإدمان بعد سهرة في فندق، والتي ربما تكون سهرة عمل جدية بيضاء، وليست سهرة ملونة بألوان الطيف الأخرى؟ فلم يذكر الخبر تفاصيل جلب الكيكة، هل أظهرها الهندي من جيبه، أم تواطأ مع أحد نادلي المطعم لتقديمها! ثم ألا يشكل مثل هذا الخبر إساءة لدبي وفنادقها، على الصعيد العالمي والإقليمي، فضلاً عن المحلي، وتصبح في نظر الناس مكاناً لن تخرج منه بسلام إذا دخلته ولو لمرة واحدة، خاصة إذا علمنا أن الملايين يرتادون هذه الفنادق باستمرار، لا سيما ضيوف البلاد من المستثمرين أو السياح أو رجال الأعمال، أو حتى المواطنين من أبناء الوطن، لقضاء أيام خارج ضغط الحياة العملية؟ ونحن نعلم أن الدولة تنفق الكثير للترويج للسياحة، والفنادق جزء مهم يختصر الانطباع عن تميز الدولة ورقيها.
وهل نضمن أن لا يفكر القارئ بأن الفنادق وإداراتها تتغاضى عن مثل هذه الممارسات، أو هي التي تروجها لجذب الزوار إليها، ولو بقطعة كيك مغطسة بالجوز واللوز وشيء من الماريغوانا؟
ومن أين للهندي هذا الحشيش متقن التصنيع كما ورد في الخبر، «المحشو داخل اللوز أو الجوز وذلك لتحقيق النشوة» ؟!، وكيف تسرب الحشيش بهذه البساطة حتى يدار على طاولاتنا بأمان، إذا كانت الاستراتيجية الأمنية في بلادنا تدرّس عالمياً كنموذج ناجح لضبط الوضع الأمني؟
وهل تدار السهرات في فنادقنا من دون ضوابط تتواءم مع التفكير العام لغالب أبناء المجتمع؟ وهل يسمح لمن هبّ ودبّ بأن يجعل منها محطات لترويج سمومه بين رواد الفنادق لإدخالهم في دوامة الإدمان الأسود بعد سهرة عابرة؟
ثم على الجانب الآخر، وهو المهني الإعلامي، ألا نتحمل نحن الإعلاميين جزءاً من المسؤولية عند تقديم وجبة خبرية محشوة بهذا الكم من التساؤلات المحيرة، ولماذا لا يتم الاستقصاء الدقيق بعلم أجهزة الأمن لتقديم المعلومة التي تضع حداً للتأويلات غير المبررة، والاكتفاء ببعض المعلومات وسلقها على عجالة، وترك القارئ يذهب في تفسيرها كل مذهب، ويضع نتائج لمقدمات غير موضوعية انتزعت من سياقها الحقيقي، وأصبحت بدلاً من أن تروج للحس الأمني والعدالة القضائية، وهي الغاية الأولى من التعامل الإعلامي مع أخبار الحوادث، تصبح مصدر فزع للكثيرين؟
وإذا كنا نخشى من نشر بعض التفاصيل لأسباب أمنية، ولا أعتقد أن هناك ما يخشى نشره، خاصة مع سقف الحرية الذي منحنا إياه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من أجل مجتمع مبنيٍ على الشفافية في إطار الوعي والتحضر، في ما يضمن الأمن للجميع، فلماذا نورد الخبر من أصله؟ فبعض الأخبار لا بد من وضع القارئ أمام أدق تفاصيلها لضمان عدم التأويل غير الحقيقي، أو حتى لا يخاف البعض بأن يتم اصطياده في أحد الفنادق بتناول الحشيش في الكيك، ويكون ضحية، كما حدث للمضيفة المسكينة البريئة!
وأخيراً، قد يحدث تقصير أمني أو إعلامي أو قلة وعي من القارئ، ولكن ليس في دبي.