في 24 اكتوبر/ تشرين الثاني عام 1977، لم يكن يعلم أن القدر سوف يتمكن منه. ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون 25 أكتوبر يوم استشهاده، فقد وجه الحضور أنظارهم تجاه وزير الدولة للشؤون الخارجية سيف سعيد بن غباش، حيث كان يلقي آخر كلماته التي دارت حول وطنه الإمارات وأمته العربية، في خطاب للأمم المتحدة، وكان خير من يمثل الوطن في هذه المحافل. ولكن القدر لم يمهله، فقد استشهد في اليوم التالي في مطار أبوظبي، عندما كان يودع عبد الحليم خدام وزير الخارجيه السوري الأسبق، برصاص لا نعلم من كان يستهدف ولماذا؟
لقد جاء الحدث مفاجئا، وكان القضاء والقدر أسرع، بعد حياة حافلة استمرت خمسة وأربعين عاماً، كانت قصيرة في عمر الزمن، ولكن في حياة سيف غباش ومن حوله، كانت عامرة بالإنجازات وحب الوطن، طوال أكثر من عشرين عاماً كانت كافيه لتكون من أنجح القصص لعلم من أعلام الإمارات، أصبح رمزاً وطنياً تفخر به دولة الإمارات العربية المتحدة.
في الذكرى الثالثة والثلاثين لاستشهاده، نظمت جامعة زايد محاضرة عن حياة سيف بن غباش لطالبات قسم السياسة، وكنت أنا والدكتورة موزة غباش قد شاركنا في تقديم نبذة عن حياته، في حضور السيدة زوجته وابنيه عدنان وسعيد، وقد جذب حضورهم الأنظار، وأكثر ما ميزه وجود زوجته التي عبرت بكلماتها عن تقديرها لاهتمام الدولة سنوياً بهذه الذكرى، وأنها تشعر بأن أبناء الإمارات هم أبناء سيف غباش وأبناء سيف غباش هم أبناء الجميع.
بين رأس الخيمة ودبي والبحرين والكويت وبغداد والقاهرة وبيروت، وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، ودوسلدروف وموسكو، تنقل في رحلة علم وعمل اتسمت بالشقاء والغربة، ولكنها كانت ممزوجة بالعزيمة والإصرار والتحدي والصبر، في وقت كانت الإمارات على موعد مع ما فكر فيه المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، من إقامة دولة تضم الساحل المتصالح، فكان لا بد أن يعود سريعا إلى الوطن ليقدم كل ما لديه من خبرة، ولكنه أصبح مدرسة مع الأيام.
في فريج المعيريض في رأس الخيمة، ولد سيف غباش في الحادي والعشرين من أكتوبر 1932، وعندما شب عوده رحل إلى دبي، وسكن عند السيدة عوشة بنت حسين بن لوتاه، والدة الدكتورة موزة غباش والدكتورة رفيعة غباش، وقد تأثر بالجو الثقافي الذي كانت تعيش فيه الأسرة.
ثم رحل إلى البحرين لطلب العلم، وهناك عرف عنه أنه من الطلاب اللامعين في الرياضيات واللغة العربية، وكانت هواياته الكتابة، واستغل فرصة الجو الثقافي الذي تعيشه البحرين وراسل مجلات عدة ، ثم سافر إلى الكويت وبغداد والقاهرة وبيروت، وكانت كل مرحلة تختص بشيء تزود منه سيف. وتطلع للسفر إلى أوروبا، فسافر إلى فرنسا وإيطاليا، ثم سافر إلى دوسلدروف حيث تعلم الألمانية وعمل في أحد المصانع، إلى أن غادر إلى موسكو وعمل وحصل على الماجستير في الهندسة، وتزوج ورزق بميسون وعدنان وسعيد وعمر الذي يعمل سفيراً للدولة في روسيا.
يقول المرحوم والدي ماجد محمد السري، الذي كان قد التقى بسيف في الكويت مع مجموعة من أبناء الإمارات، ولكن لفترة قصيرة فقط، ثم عاودا اللقاء في الإمارات، وكان المرحومان يلتقيان في لقاءات عمل. وقد أتيحت لي فرصة أن ألتقي بهما في شركة والدي لأحظى برؤيته، وكنت شديدة الإعجاب به من حديث والدي عنه، كما كنت قد قرأت عنه من خلال ما كان يكتب في وسائل الإعلام المحلية والعربية.
وفي الذكرى 32 لاستشهاد سيف غباش أرسلت مقالاً للبيان كنت قد أعددته مع والدي، ولم أكن أعلم أن القدر سيجمعهما، ولم يقرأ والدي ما كتبته فقد توفي في يوم 25 أكتوبر 2009، والحقيقه أنها أصبحت ذكرى أليمة على قلبي، ولكن ستبقى تدفعنا إلى بذل مزيد من الجهد وتقديم كل ما يمكن لرفع اسم بلدي الإمارات.
وللأسف يواجه شبابنا في الوقت الحالي تحدياً كبيراً في معرفة رموزنا الوطنية، فقد وجه إلي كثيراً سؤال: من هو سيف غباش؟ أو من يقول: لا نعرف عنه شيئاً! لذا قررت أن يكون ضمن 40 رمزاً وطنياً أكتب عنهم وألقي حولهم محاضرات للمراحل الدراسية كافة، لنرد جزءاً بسيطاً لهؤلاء، ومنهم سيف غباش الذي ضحى بحياته من أجل دولة الإمارات العربية المتحدة، وسيبقى رمزاً وطنياً خالداً من رموزها.