انعقد الأربعاء الماضي، في قصر الإمارات في العاصمة أبوظبي، اجتماع الدورة 28 لمجلس وزراء العمل لدول مجلس التعاون الخليجي، وكان الاجتماع السابق قد انعقد في دولة الكويت. وكما هو معلوم، درج وزراء دول مجلس التعاون على تداول عقد اجتماعاتهم الدورية كل عام في دولة من الدول الأعضاء، ويتولى تنظيم هذه الاجتماعات المكتب التنفيذي لدول المجلس، الذي يتخذ من العاصمة البحرينية المنامة مقراً له.

والمتتبع لمسيرة التعاون الخليجي، يدرك أن التجربة الخليجية استطاعت أن تؤسس لعلاقات تتجاوز التباينات والخلافات في بعض وجهات النظر، سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية، حيث إن القواسم المشتركة التي تجمع بين دولنا الخليجية، اجتماعياً وثقافياً، أكثر من تلك التباينات. وفي تقديري أن الاجتماعات الدورية، سواء الرأسية أو الأفقية، استطاعت خلال أربعة عقود، أن تزيل الكثير من تلك التباينات، وأن تقلل كثيراً من الخلافات الشكلية، مما أكسب تجربة التعاون الخليجي اعترافاً إقليمياً ودولياً.

وانعقاد مجلس وزراء العمل الخليجيين، برئاسة معالي صقر غباش وزير العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، اكتسب أهمية خاصة لاقترانه بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، والتي تتصدرها تداعيات أحداث الربيع العربي.

والقارئ لجدول الأعمال الذي جرى التداول بشأنه في هذا الاجتماع، يجد أنه تناول العديد من القضايا المحورية، لعل من أهمها قضايا العمالة الأجنبية الوافدة، والتي تشكل هاجساً، ما زال يؤرق المعنيين بقضايا الهياكل السكانية، لوقف نزيف تدفقات العمالة الوافدة، الذي أرهق هرم التركيبة السكانية في معظم الدول الخليجية، وبمستويات متفاوتة، ومن ثم ضرورة الوصول إلى رؤية استراتيجية مشتركة لاحتواء مشكلة العمالة الوافدة، ولا أقول ظاهرة العمالة الوافدة، وشتان بين الظاهرة والمعضلة.

ومن القضايا التي تم التداول بشأنها ضمن جدول أعمال هذه الدورة، كيفية القضاء على ظاهرة البطالة والتبطل بين الشباب، خصوصاً في ظل الظروف التي ارتفع فيها صوت الشباب عالياً، في أعقاب انتفاضة الربيع العربي. والملاحظ أن كل الدول الخليجية بادرت باتخاذ سلسلة من المعالجات الهادفة إلى تشغيل الشباب، بما في ذلك فرص تشغيل الشباب في دول المجلس عوضاً عن العمالة الأجنبية.

وفي سياق آخر، تم التداول حول ظاهرة الاتجار بالبشر، وهي ظاهرة وثيقة الصلة بتدفقات العمالة الآسيوية تحديداً، والمؤسف أن معدلاتها في تزايد مستمر، ولا بد أن الأزمة الاقتصادية العالمية قد ألقت بظلال كثيفة على الواقع المعيشي في بلدان شرق آسيا، مما زاد في الترويج لظاهرة الاتجار بالبشر داخل دول الخليج العربية، أو جعلها مناطق عبور لهذا النوع من الجرائم. والمعروف أن دولة الإمارات، من أوائل الدول التي أجازت تشريعاً لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر.

حسب معلوماتنا، عكف الوزراء على مناقشة السبل التي تعزز التعاون المشترك في قضايا التوطين والتدريب والتأهيل المهني، باعتبار أهمية التوسع في إنشاء مراكز التأهيل والتدريب المهني. ومعلوم أن سلطنة عمان تعتبر من أوائل الدول الخليجية التي استفادت من التجربة الألمانية، وتوسعت في إنشاء مراكز التدريب المهني التطبيقي. ولم ينفض هذا اللقاء المهم، إلا بعد أن تم تكريم شخصيات خليجية، ساهمت على مدى سنوات طويلة في دعم مسيرة العمل الخليجي المشترك، وفي طليعتهم كامل صالح الصالح، وهو من الكفاءات البحرينية المتميزة خلال سنوات طويلة، قاد فيها مكتب المتابعة الذي أصبح في وقت لاحق المكتب التنفيذي.

وكل من التقى الصالح يشهد له برجاحة العقل والسماحة وحسن الخلق. كما تم تكريم سالم بن علي المهيري، المدير العام للمكتب التنفيذي، بمناسبة انتهاء فترة عمله، وقد كان طوال سنوات عمله في وطنه الإمارات، مسؤولاً في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حيث تولى مهام ملف العمل الخليجي لسنوات طويلة أهلته لتولي المنصب، إلى أن أكمل مدته هذا العام.

وكان مجلس وزراء العمل لدول الخليج العربية، قد كرم في دورته 27 سيف بن علي الجروان، وزير العمل والشؤون الاجتماعية الإماراتي الأسبق، تقديراً لجهوده وإخلاصه في إرساء القواعد التي نهض بها وعليها العمل الخليجي المشترك، ولسنوات طويلة.. وكل من عمل مع هذا الرجل القامة، يشهد أن سيف الجروان كان، وسيظل، أحد العلامات الفارقة التي تبقى محفورة في ذاكرة كل من عمل تحت قيادته.

وفي أعقاب اختتام أعمال هذه الدورة، دعونا نأمل أن ترى قراراتها النور بتنزيلها على أرض الواقع.