دلالات عملية تبادل الأسرى الأخيرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

مع إتمام الاتفاق حول عملية تبادل الأسرى بين حركة حماس والطرف الإسرائيلي، تكون المقاومة الفلسطينية قد كرست نفسها حضوراً وفعلاً متميزاً، وأكدت أن الانتفاضة الفلسطينية وأبناءها الأسرى في سجون الاحتلال، لم تكن مغيبة عن جدول أعمال قوى المقاومة في فلسطين.

فاتفاق تبادل الأسرى الأخير بين حركة حماس والطرف الإسرائيلي، إنجاز مهم على كل الصعد الفلسطينية والعربية، في زمن التحولات الجارية في مختلف مناطق عالمنا العربي، وفي زمن اعتقد فيه البعض بأن روح المقاومة قد راوحت مكانها، لصالح عملية سياسية تفاوضية تحتضر منذ وقت طويل تحت وطأة عنجهية الاحتلال واستمرار عمليات تهويد الأرض واستيطانها.

اتفاق التبادل، كما أعلن، تم التوصل إليه وفق الآلية المعقدة المعلومة عند أي عملية تبادل مع سلطة الاحتلال، بمشاركة ومتابعة مصرية حثيثة ومشاركة الوسيط الألماني، وقد أفضى لنتائج مهمة ستؤول لتحرير أعداد متزايدة من الأسرى، بلغت 1027 أسيراً من الكوادر الفلسطينية والعربية بشكل عام، من سجون ومعتقلات الاحتلال.

وفوق كل هذا وذاك، فإن الرضوخ الإسرائيلي لعملية التفاوض الحصري مع حركة حماس، والقبول بإدراج عدد من الأسرى الفلسطينيين من أبناء المناطق المحتلة عام 1948، ومن أبناء الجولان السوري المحتل، وباقي الأسرى العرب، على قائمة المشمولين بالاتفاق/ الصفقة، يكرس أيضاً حركة حماس على المستوى العربي كتنظيم مقاوم يمتلك المشروعية الوطنية.

ومع أن الصفقة، أو بشكل أدق عملية التبادل، لم تكن الأولى في تاريخ المقاومة الفلسطينية ومعها اللبنانية، حيث سبقتها عمليات تبادل، لعل من أهمها عملية التبادل المعروفة بـ"عملية النورس"، التي جرت عام 1979 بين الجبهة الشعبية/ القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل وحكومة مناحيم بيغن آنذاك، إلا أن العملية الأخيرة تمثل في حقيقتها العملية التبادلية الأهم، في سياق ظروف ومعطيات الزمان والمكان.

فحركة حماس بإنجازها هذا، وشمولية الاتفاق بتحرير أسرى ومقاومين من كافة الاتجاهات والتلاوين الفكرية والسياسية، ومن كل أبناء الشعب الفلسطيني ومن الأسرى العرب، وربطها أثناء التفاوض إتمام الصفقة بتحرير الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات ومسؤول حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي، تكون قد حرصت على إخراج المقاومة إلى انتمائها الأشمل، لتكون مقاومة فلسطينية شاملة، في الواقع السياسي والشعبي في فلسطين.

إن عملية التبادل انتصار وطني، وتثبت أن إجبار إسرائيل على تقديم التنازلات والرضوخ للمطالب والحقوق العربية، أمر ممكن جداً تحت ضغط وفعل المقاومة بكل أشكالها، كما أنها تحمل تأثيراتها المعنوية في الشارع الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، بما تعنيه من مزيد التآكل في سطوة القوة الإسرائيلية.

وفي مضمون عملية التبادل، يمكن القول إن استعادة حرية (1012) أسيراً وأسيرة، يعني تحرير وانتصار الإرادة العربية، وهو ما التقطته وسائل الإعلام، وحتى الساحة السياسة والحزبية الإسرائيلية، فقد تم كسر القرار الأسير بالتمسك باعتقال ذوي الأحكام العالية، ومعهم أسرى مناطق الـ48، وأسرى الجولان السوري المحتل.

إلى ذلك، في كل عمليات التبادل السابقة، كانت إسرائيل ترفض إطلاق سراح بعض الأسماء المعروفة من المناضلين الفلسطينيين والعرب في سجونها، كما كان حال المناضل اللبناني سمير القنطار الذي تم تحريره بعملية تبادل بين حزب الله اللبناني وسلطات الاحتلال، وكما كان حال أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعدد من قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، ومعهم العديد من قدامى الأسرى من ذوي الأحكام العالية والمؤبدات.

إن حركة حماس والمقاومة بشكل عام، تمكنت من الوصول لصفقة جيدة وبشروط جيدة، مقابل إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت، وهو ما يعيد الأمل لآلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، حيث جاءت عملية التبادل لتؤكد أن الحرية ليست بعيدة، والحياة لن تتوقف عند الوقوع في الأسر. فالأمل موجود، وساعة الانعتاق آتية للقيادات ولكوادر وأصحاب المحكوميات العالية، كما أجبرت إسرائيل على الموافقة على إطلاق سراح نائل البرغوثي، وأحمد سعدات، وإبراهيم حامد، وعبد الله البرغوثي، ومروان البرغوثي، ويحيى السنوار، وبسام السعدي، وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وبقية رفاقهم من القادة والمقاومين، وخاصة الأسرى من مناطق فلسطين المحتلة عام 1948، وفدائيي الدوريات من خارج فلسطين إلى داخلها، كما وأسرى الجولان السوري المحتل.

أما في جانبها الفلسطيني الداخلي، فيتوقع لعملية التبادل أن تشَكل تحولاً إيجابياً في المناخات الداخلية الفلسطينية، لصالح توطيد التوافق الداخلي الذي تشكل بعد توقيع اتفاق المصالحة الأخير في القاهرة في مايو الماضي 2011، وهو الاتفاق الذي ما زال ينتظر الترجمة الحقيقية على الأرض، وخاصة بالنسبة لتشكيل حكومة توافق وطني ووحدة وطنية.

إن مناخات ما بعد خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة، وعملية تبادل الأسرى المتوقع إنجازها، هي مناخات إيجابية، وتشكل مدخلاً مناسباً للشروع الفوري في إيجاد التطبيقات الملموسة على الأرض لاتفاق المصالحة الفلسطينية، ومغادرة مربع المراوحة في المكان. وهذا ما ينتظره الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وقد آن الأوان ليتحقق بشكل جدي وعملي.

 

طباعة Email