تفتح الإمارات أبوابها أمام الجميع ليهنؤوا تحت مظلة الحياة الرغيدة متكاملة المصالح والمقاصد، من دون تمييز أو تقييد أو تحديد، وتتيح الفرص أمام المجتهدين كافة من أبناء الوطن أو الوافدين، ليبحثوا عن نجاحاتهم بين ربوعها، ويسهموا في تعزيز دعائم النهضة والرخاء الاقتصادي والاجتماعي، تحت مظلة قانونية محكمة مدروسة، تضمن للجميع حقوقاً متساوية وتصون ممتلكاتهم وتحفظ استثماراتهم، بما يكفل تأمين البيئة المناسبة للإبداع والإنتاج والعمل في مناخ من الأمن والاستقرار.
هذا الواقع لا يحتاج منا أو من أي أحد إلى برهانٍ أو تدليلٍ، إذا علمنا أن مئات الجنسيات والإثنيات والثقافات تعيش في حمى دولة الإمارات، في نموذج إنساني متعايش فريد قلّ مثيله في العالم.
ولا شك أن حفظ حقوق المجتمع وصيانة ثوابته هذه، لم يكن ليأخذ ديمومته وانتشاره لولا استقلالية ومرجعية القضاء الإماراتي، التي تضع مسؤولية المجتمع أمام عينيها، فلا تسمح لأيدي العابثين بالنيل من استقرار الوطن أو تهديد منابع الاسترزاق الحقيقية النبيلة، فأرست العديد من القوانين التي تكفل ذلك، ووضعت قانوناً يستأصل المتعدين على حرمة المجتمع، ففرضت عليهم عقوبة الخروج من البلاد فيما يسمى «الإبعاد»، لإراحة المجتمع من شرورهم وإخراجهم من دائرة الوطن، ما داموا لم يحترموا ثوابت وشروط العيش في أكنافه، وحكموا هم على أنفسهم بالإبعاد عن دولة أتاحت لهم سبل العيش التي قد لا تتاح لهم في بلدانهم!
قبل أيام تناقلت صحفنا المحلية خبراً نكاد نقرأ شبيهه في غالب أيامنا، عن ضبط أحد مهربي المخدرات وإحباط محاولته المساس بأمن الوطن، ونحمد الله تعالى أننا ننعم بعناصر أمنٍ من أبناء الوطن، لهم من الكفاءة ما يجعلنا نطمئن إلى أمننا أن تناله الأيدي الخاطئة، حيث تتم إحالة أمثال هؤلاء المجرمين للقضاء ثم السجن والإبعاد.
ومما لا شك فيه أن الإبعاد يعد تدبيراً جنائياً صارماً وواضحاً، الغرض منه حماية المجتمع من العناصر السيئة والمسيئة، إذ إنه سُن لحماية التركيبة السكانية وتنقية المجتمع من المجرمين والمنحرفين، وحتى يستطيع المجتمع التخلص من العناصر المهددة لأمن النسيج الاجتماعي للدولة، فضلاً عن أن الإبعاد يكون عادة للشخص الأجنبي غير المواطن، أما المواطن فإن الدولة هي المسؤولة عن إصلاحه وتأهيله.
وقد يتساءل البعض عن جدوى الحبس عدة سنوات للوافد المدان، ما دام سيبعد إلى وطنه بعد انتهاء فترة حكمه حسب درجة الجنحة أو الجناية التي اقترفها، وأين المصلحة التي ستعود على مجتمعنا بعد تأديب هذا المخطئ، ما دامت الدولة ستحبسه وتعيد تأهيله وتصلح أخلاقياته في منشآتها العقابية ثم تعيده فرداً صالحاً إلى دولته! وإن كنا لا نكره حتماً أن نكون سبباً في إصلاح الآخرين ولو خارج حدود الوطن، إلا أن المسألة ها هنا تتعلق بعقوبة على جانٍ، وجدواها على النطاق الاجتماعي الداخلي الخاص في الدولة.
فكيف ستتم الاستفادة من ثمرات التأهيل والإصلاح ما دام سيُبعد؟ ولماذا لا نعير اهتماماً منطقياً للنفقات التي تصرفها الدولة على المسجونين الذين تكون نهاية سجنهم الإبعاد، من رعاية واهتمام وطبابة وغيرها، لأشخاص قد يبقون لسنوات يستنزفون أموالاً، ويحظون برعاية لا تتوفر لمن هو حر طليق في بلدانهم!!
وهي في الحقيقة مبالغ لو جلسنا لحسابها على مجمل المحكومين، لوجدناها خيالية كبيرة، لا سيما ما تعمل عليه مؤسساتنا العقابية من توفير بيئة نظيفة مادياً ومعنوياً، يحصل منها الفرد على أفضل خدمات ورعاية، وفق المعايير والمواثيق الأساسية لحقوق الإنسان، التي يضمنها دستور دولة الإمارات وتتوافق مع توجهاتها الحضارية.
ثم لماذا، في هذا الخصوص، لا يتم إبرام اتفاقيات قضائية دولية مزدوجة مع البلدان الأخرى، تقوم بموجبها بتسلم مواطنيها أصحاب الجنايات، وينفذون هم العقوبة المقررة في حقهم، وفق الحكم الإماراتي، كي تقوّم هي سلوكه ولا نتحمل نحن أعباءه الإصلاحية والتربوية وتكاليفه المالية؟
ونقول؛ إن حبس الجناة وإن كان سيعقبه ترحيلهم وإبعادهم، هو حق عام للدولة ملزمة بأن تأخذه من المخطئين، لتعيد الاعتبار للمتضررين على أرضها، سواء من المواطنين أو الوافدين. أما مسألة رعاية المحتجزين وخدمتهم والنفقة عليهم، فهذه مسألة إنسانية تضمنها وتؤكد عليها المواثيق الدولية، ولها مكاسبها الأخلاقية التي تعود على الدولة بالشيء الكثير، فلا ينظر إلى ما ينفق من أموال بقدر ما ينظر إلى العائد الإنساني للدولة ولمكانتها.
نؤكد أن قرار الإبعاد منصف جداً، بعد طرق جميع الأبواب الردعية التأديبية، وبعد أن تطبق على الجناة العقوبة. ومن جهة أخرى، ربما يكون من الأجدى أمام الجهات المعنية، مراقبة ومراجعة قانون الدخول والإقامة في الدولة، قبل النظر في جدوى الإبعاد أو السجن والإنفاق بلا جدوى على أمثال هؤلاء!