ما زلنا في حاجة إلى من يذكرنا بواجباتنا تجاه كبار السن من الأهل والأقارب، الذين أفنوا ريعان شبابهم، وفي ظروف بالغة التعقيد، لنعيش نحن.. عاشوا في ظروف بائسة وبإمكانيات ليست سوى العوز والعدم. إن كبار السن من مواطنينا هم شهداء عصرهم، وحملة الإرث الثقيل لجماع قيمنا.. عاداتنا وتقاليدنا التي تنتقل من جيل إلى جيل.. الذين لولاهم لما كنا نحن.
عندما يطالع القارئ هذه السطور، يكون الفاتح من أكتوبر قد عبر جسر الزمن، والذي يصادف اليوم العالمي لكبار السن. ولعله ضرورياً أن نشير إلى أن جدلاً طويلاً قد صاحب مداولات التجمع العالمي لكبار السن، الذي انعقد في العاصمة النمساوية "فيينا" من 16 يوليو إلى 6 أغسطس 1982، لتحديد مفهوم كبار السن.
حيث تمت الموافقة على التداول بمفهوم كبار السن، عوضاً عن المسنين أو المتقدمين في السن.. في الوقت الذي يتشدق فيه المصلحون الاجتماعيون في الدول الغربية، بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أول ما أشار لحقوق كبار السن في الفقرة (أ) من المادة 25 من الإعلان المذكور، ونسوا أن القرآن الكريم كان قد حث الناس، كل الناس، على رعاية كبار السن من أفراد الأسرة.
والقارئ المتمعن في كتاب الله، يدرك أن الدين الإسلامي الحنيف، كما هو معلوم، كان سابقاً، بل وسباقاً لكل التشريعات والنظم الوضعية والتشريعات الاجتماعية المعاصرة، التي حضت على ضرورة رعايتهم والعناية بهم.
يرى "شاي" "SCHAIE" أن التقدم في السن، حالة تعبر عن التراجع التدريجي في قدرات الإنسان العقلية والجسدية والشعورية، وهو تراجع قد يصل إلى مرحلة التدهور التي يتعذر فيها على الإنسان التكيف مع الواقع الذي يحيط به، قياساً لسنوات العمر السابقة. ولا يختلف اثنان على أن الشيخوخة مرحلة عمرية ترتبط بنهاية دورة حياة الإنسان، ولذا لا يوجد مبرر لنسيان أو تناسي حق من تربطنا بهم صلة الرحم من كبار السن، حقهم علينا في رعايتهم والعناية بهم وبشؤونهم.
ولعل تقاعس أعداد كبيرة من البشر عن الاهتمام بذويهم المسنين، لفت نظر المجتمع الدولي للظروف المأساوية التي يعيشها ملايين المسنين في كل الدول. وتجاوباً وتعاطفاً مع هذه الشريحة الهامة، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 47/5 لجعل مطلع أكتوبر من كل عام، يوماً دولياً لكبار السن.
ومن ثم لم يكن أمام مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية للدول العربية، في دورته السادسة عشرة، إلا أن يتجاوب مع هذا القرار الدولي، فكان أن صدر القرار رقم 264، والذي نص في فقرته الثانية على أهمية تكثيف الجهود للاحتفال بالسنة الدولية للمسنين 1999.. ولكن الوفاء لكبار السن قيمة أخلاقية أولاً وقبل كل شيء.
أقول، مرت الأسبوع الماضي ذكرى اليوم العالمي لكبار السن بصمت، وتجاهلها معظم الجهات المعنية بالشأن الاجتماعي.. ولعلي لست في حاجة للإشارة إليها، سواء الرسمية أو الأهلية، لأنها تعاني من موت سريري طال أمده.. أقول ذلك والسؤال ما زال مطروحا؛ متى زار "المسؤول المعني" دار العجزة للوقوف على أوضاع نزلائها والتخفيف من متاعبهم النفسية والاجتماعية؟ ثم أين جمعيات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والإنسانية من زياراتهم وهداياهم الرمزية لهذه الفئة؟
ويحزّ في النفس موقف أؤلئك الذين أودعوا آباءهم وأمهاتهم في عنابر المستشفيات ودهاليز دار المسنين، ونسوهم هنالك.. وتناسوا أن الأيام التي دفعتهم للزج بذويهم في غياهب دور المسنين، قد تجيء بهم إلى ذات المكان.. فكما تدين تدان. والأيام تحدثنا أن الأبناء يفعلون بآبائهم ما فعله من سبقوهم بآبائهم، والذي يجبر ذويه على شرب كأس مرة المذاق، تضطره الأيام لشربها حتى الثمالة. أسوق هذا الحديث .
وما زال يرن في مسامعي ما سردته لي إحدى المشرفات عن سوء المعاملة والإهمال، بل ونسيان بعض المواطنين لأقارب لهم من الدرجة الأولى.. جاءوا بهم إلى الدار، ومضوا إلى غير رجعة! بل هنالك عجزة ماتوا وتولت البلدية مهمة دفنهم عوضا عن الأبناء، الذين اعتذروا بمختلف الحجج، وبأن ظروفهم لا تسمح لهم بحضور مراسم الدفن!
إننا حقاً صرنا بين يوم وليلة، نعيش في عصر العولمة التي طمست المشاعر، وحولت القلوب إلى مضخات.. صرنا نقاتل بعضنا من أجل الميراث بعد ساعات من دفن أقرب الأقربين.
وفي هذا الزمن العبثي تهتكت علاقات الناس، وتميع البناء الاجتماعي بما يحمله من قيم التراحم والتكافل والمساندة الاجتماعية، وأصبحت الفردية نزعة طاغية، والأنانية سمة مسيطرة.. كالمثل الذي يقال "أنا وليذهب الآخرون إلى الجحيم!"... إننا ندق ناقوس الخطر لإنقاذ ما يستوجب إنقاذه قبل فوات الأوان، لأن تراجع دور الأسرة الممتدة إلى خانة الصفر، أصاب المجتمع في مقتل.
والمشكلة أنه تتعذر العودة إلى أحضان الأسرة النواة، بل تستحيل.. وهكذا مع مرور الوقت سنكون في أمس الحاجة إلى بناء مزيد من دور العجزة والمعاقين، وأخرى للأحداث وذوي الحاجات الخاصة.. لأنه لا مكان لهم داخل البيوت، ولا داخل القلوب..
أيها السادة.. يجيء اليوم العالمي للمسنين دون أن يتذكره المعنيون بأمرهم.. مضى يوم كبار السن ولم ترد الإشارة إليه.. مر بهدوء وتثاقل.. وهو يتزامن مع اليوم العالمي للموسيقى، التي يتعين عليها عزف اللحن الجنائزي احتفاء بهذا اليوم.. اليوم العالمي لكبار السن.. الذي يحل مطلع أكتوبر كل عام.
وكل عام وكبار السن في حفظ الله ورعايته.. حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.