لو سارت الأمور كما ينبغي في مصر بعد الثورة، لكان الاحتفال بذكرى انتصار أكتوبر 73 هذا العام، هو العيد الذي تلتقي فيه كل أطياف الشعب مع الجيش، لتؤكد أن مصر استعادت روحها وأنهت سنوات التراجع التي طالت، ودفعت ثمنها هي والأمة العربية كلها.
في فبراير الماضي كان المشهد أشبه بالحلم. النظام الذي كان يبدو ممسكاً بكل شيء في مصر، تهاوى في أيام. الملايين التي خرجت في الشوارع وتحول احتجاجها السلمي إلى ثورة عارمة، تحتفل بالنصر. الجيش الذي كانوا يعتبرونه جزءاً أساسياً في النظام وحارساً له، اتخذ في اللحظات الحاسمة موقفاً أنقذ البلاد من حمام دم، وانحاز للثورة، فلم يترك أمام النظام السابق خياراً آخر غير الرحيل.
بداية الفترة الانتقالية كانت جيدة. كل القوى السياسية كانت متوافقة على دعم قيادة المجلس العسكري لهذه الفترة، فهو القوة الوحيدة القادرة على ذلك، بعد أن سقط النظام السابق بكل مؤسساته، بما فيها مؤسسة الأمن الداخلي التي ما زال سقوطها المفاجئ يمثل لغزاً لم يتم تفسيره. والقيادة العسكرية أعلنت من جانبها أنها تريد إنهاء مهمتها المؤقته في أسرع وقت، والعودة لثكناتها والتفرغ لمهماتها الأساسية في تأمين الوطن.
لكن الأمور لم تسر بعد ذلك في الطريق الذي بشرت به البدايات. بالطبع كانت التركة ثقيلة، بما لم يتفق حتى مع تقديرات القيادات العسكرية والأمنية التي كانت قريبة من الحكم السابق.
وتزامن غياب الأمن مع تراجع الإنتاج، الذي توقف تقريباً في ظروف الثورة ولم يتعاف حتى الآن، ولم تنجح الجهود لإعادة السياحة بسبب الظروف الأمنية في البداية، ثم بعد ذلك بسبب الأحداث الطائفية المشبوهة بكل تأكيد، وبدأت الاحتجاجات الفئوية على خلفية الظلم الاجتماعي طوال فترة النظام السابق، ثم استمرت وتصاعدت عقب ذلك بعد أن دخلت عوامل أخرى على الخط.
كل هذا أو معظمه كان متوقعاً بعد ثورة أسقطت نظاماً أمسك كل الخيوط بيده لسنوات طويلة، ومع فراغ هائل سارعت كل القوى لمحاولة استغلاله لصالحها، ومع خلل في الموازين بين أحزاب تقليدية فقدت قوتها وتأثيرها.
وقوى جديدة تحاول أن تعبر عن روح ثورة كان الشباب عمادها، قوى دينية دخلت بقوة على الساحة.. بعضها ـ مثل الإخوان المسلمين- كان موجوداً على الساحة وكان يمثل قوة المعارضة الأساسية في السنوات الأخيرة، بعد أن ضرب النظام السابق باقي القوى السياسية.
وبعضها الآخر يدخل الساحة السياسية فجأة، بعد أن عاش سنوات يمارس نشاطه الدعوي بموافقة السلطة السابقة وتشجيعها، بعد أن أكد على ابتعاده عن العمل السياسي أو الجهادي، وعلى أساس أنه قوة يمكن أن تناوئ الإخوان المسلمين إذا احتاجها النظام.
المشكلة الأساسية كانت في الطريقة التي أدار بها المجلس العسكري الفترة الانتقالية حتى الآن، والتي اتسمت بالارتباك وقلة الخبرة السياسية التي كان من الممكن تلافي آثارها السيئة، لو كانت هناك حكومة قوية قادرة على اتخاذ القرار ومد الجسور بين سلطة الحكم والشارع السياسي بكل مكوناته. ولكن ذلك لم يحدث لأسباب عديدة، وتحولت الحكومة ووزراؤها في أحيان كثيرة، إلى عبء إضافي على المجلس العسكري.
بعد ثمانية شهورعلى توليه مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية، يبدو الموقف بالغ التعقيد بين المجلس العسكري ومختلف القوى السياسية.. الإخوان المسلمون الذين كانوا هم والمجلس العسكري "سمن على عسل" .
كما يقولون، للحد الذي اتهم المجلس بالتواطؤ معهم لإجراء الانتخابات البرلمانية قبل إعداد الدستور، يقلبون الآن المنضدة على المجلس منذ أعلن عن نواياه لإعداد وثيقة ملزمة للجميع بالمبادئ الحاكمة على الدستور، وهم الآن يرسلون التحذيرات ويهددون بتكرار"مليونية قندها" إياها، إذا تأخرت الانتخابات. أما باقي المطالب حول الطوارئ وغيرها، فهي لا تمثل الكثير بالنسبة لهم الآن.. فالمهم هو الانتخابات التي يتوقعون الفوز فيها، وبعدها يصبح لكل حادث حديث.
والأحزاب التقليدية في موقف لا تحسد عليه، تتهم المجلس العسكري بأنه هو الذي قاد إلى الأزمة الحالية حين رفض مطالبهم بوضع الدستور أولا، وحين ترك الشارع للبلطجية من ناحية وللجماعات الدينية المتطرفة من ناحية أخرى، وحين ترك الحكومة على ضعفها في مواجهة الاحتجاجات الفئوية.
والأحزاب الجديدة غير الدينية، كانت تريد فرصة لتثبيت أقدامها ودعماً حقيقياً من السلطة للدولة المدنية التي أعلن المجلس العسكري أنها "قضية أمن قومي". أما الشباب فيشعر أن الثورة سرقت منه ويشكو الجميع؛ المجلس العسكري، والأحزاب القديمة والجديدة التي أغرقته في التدليل في البداية، ثم تركته في منتصف الطريق.
حالة الارتباك التي تشهدها الساحة السياسية المصرية، ما زال ممكناً التعامل معها، والخلافات والتناقضات يمكن للحوار ـ إذا كان حقيقياً - أن يتعامل معها. لكن الخطر الحقيقي يبدو في أن هناك جهداً حقيقياً يبذل من أجل أن ينتهي شعار "الشعب والجيش إيد واحدة" الذي حكم الموقف قبل ثمانية شهور فقط، إلى صدام بين الطرفين لا يعلم إلا الله عواقبه.
الخلافات بين المجلس العسكري وأي قوة سياسية واردة وطبيعية، أما التحريض على الجيش والصدام معه، فهذا هو الخطر الذي ينبغي أن يحسب الجميع حسابه، لأنهم جميعاً سيدفعون الثمن إذا تحقق المطلوب من هذا التحريض!
في خلفية هذا "التحريض" اتهامات من المجلس العسكري بتدفق أموال أجنبية هائلة على الأحزاب والجمعيات بعد الثورة. وفي خلفية هذا "التحريض" ما حدث ويحدث في سيناء من قلاقل، تتشارك في مسؤوليتها إسرائيل مع الجماعات المتطرفة. وفي خلفية هذا "التحريض" احتمال بخيبة الأمل عند بعض القوى التي اعتمدت "سيناريو" واحدا مطلوبا.. هو ما يجري في سوريا واليمن وليبيا، ففاجأها "سيناريو" ثورة مصر.
يتحمل المجلس العسكري في مصر المسؤولية الأكبر عن الارتباك الذي حدث والأخطاء التي وقعت في إدارة الفترة الانتقالية، ولكن هذا شيء ومحاولة قيادة الثورة إلى صدام بين الشعب والجيش شيء آخر.
المؤكد أنه لا الجيش ولا الشعب سوف يقبل السير في هذا الطريق، رغم كل التحريض وكل الصراعات وكل الأخطاء! والمؤكد أيضا أن الطريق مليء بالعقبات حتى يتحقق "العبور الأصعب" نحو الدولة المدنية الحديثة، القائمة على الديمقراطية والعدل، والتي انطلقت من أجلها ثورة يناير.