قد يكون عنوان هذا المقال مثيراً للجدل حول العلاقة بين السراب والطل، إلا أنهما متلازمان في ذهن الإنسان، من حيث مكونات كل منهما، ولعل هذا يؤكد على توضيح الصورة، في ذهن القارئ ذي النظرة المتعمقة في الواقع.

إن قضية التعليم، على كافة المستويات، ظلت ولا تزال من هموم ذوي الوعي بأهمية إعداد أجيال تحمل راية المستقبل في ظل التغييرات العالمية. والأمم التي تقدمت في كافة المجالات، لم تكن تعتمد على ثروة ناضبة أو أحلام بالماضي التليد، أو وهم العظمة، أو التفوق الوهمي، بل كان أساسها هو الاعتماد على خلق جيل من أبنائها المتعلمين، مع التأكيد على التنوع في كافة مجالات العلوم.

وعليه فإن الأمة الإسلامية، تقدمت بفضل علمائها الذين أفنوا حياتهم في البحث والتعمق في العلوم التي حولت الظلام نوراً، واليأس أملاً، والتراب تحول إلى ذهب، تلك الأمة هي التي لم تفرق بين أبنائها لأي سبب من الأسباب، من حيث العرق واللون وحتى الدين، اللهم إلا في مجالات تفوقهم.

وهكذا فإن الحضارة العربية الإسلامية شرعت الأبواب والنوافذ لجميع العلوم من جميع حضارات الدنيا، فترجمت علوم الإغريق والفرس والرومان والهنود، وحين بدأ آلاف الناس ينسخون الكتب في وقت لم تكن المطابع قد وجدت طريقها إلى العالم، وبعد فترة من الركود في ظل العثمانيين الذين حكموا العرب قرابة خمسة قرون، بدأ العرب من جديد يشقون طريقهم نحو التعليم.

إن العملية التعليمية المعاصرة تركزت على ثلاثة أعمدة رئيسية؛ أولها الطالب، وثانيها المعلم، وثالثها المناهج. ولكل من تلك مقومات وأسس لا بد من توفرها، وإلا اختل الميزان، وهذا الاختلال يحولها سراباً.

وإن مما يسجل لدولة الإمارات العربية المتحدة، أنها اعتبرت التعليم ركناً أساسياً من أساسيات النهضة، ففتحت المدارس والجامعات، وأوفدت الطلبة في بعثات ينهلون العلم من كل بقاع المعمورة، ليعودوا إلى الوطن مزودين بالعلم والمعرفة. ومن الملاحظ أن اهتمامات الطلبة تختلف من إمارة إلى أخرى، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى، وهذا في حد ذاته يؤكد على أهمية التعليم في الحراك الاجتماعي.

وهو صمام الأمان للأمن الاجتماعي، حيث إن توقف هذه العملية سيؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية وربما سياسية. وهذه الطبقة في المجتمعات العربية، تشكل نسبة عالية في الأحوال الطبيعية، ولكن في الأوضاع غير الطبيعية، تزداد نسبة البطالة والجريمة وغيرها من المشكلات الاجتماعية. لقد أحدث ذلك الخلل تزايد نسبة الهجرة من العديد من المجتمعات العربية، سواء إلى دول عربية أخرى أو إلى غيرها.

ومن المؤسف أن نسبة الأمية في الوطن العربي تقترب من 55% للإناث، على حين أن نسبتها بين الذكور 30-35%، وهذه النسبة في كل الحالات عالية، لا سيما بعد فترة طويلة من انتشار التعليم، والحد من حملات القضاء على الأمية، حيث إن ما يصرف على التعليم لا يزيد على 6% من إجمالي الناتج الإجمالي.

أما العمود الثاني في العملية التعليمية فيعود إلى المعلمين، حيث يعاني معظم المجتمعات العربية من نقص عدد المعلمين المؤهلين بشكل جيد، ونعني بذلك المعلم الذي جاوز فرصة التحفيظ والإملاء والتمسك بنصوص ثابتة، لم يعد للمعلم ذلك الإجلال والتكريم، ففي مرحلة الانفتاح الاقتصادي فقد المعلم مكانته الاجتماعية، ونظر إليه بنظرة سيئة للأسف. فقد أدى ذلك إلى بروز الدروس الخصوصية، وفقد هيبته الاجتماعية، وهذه من المشكلات القاتلة للعملية التعليمية، وبالتالي تراجع الإقبال على هذه المهنة، والتي كانت ترى فيها العلو والاحترام.

أصبحت مهنة المعلم في هذه المرحلة مهنة المعذبين في الأرض، وأصبح المال هو السيد، ولعل هذه الوضعية هي المسمار الأول في نعش نهضة الأمة. إن عودة الاهتمام بالمعلم مرهونة بخلق المعلم القادر على فرض احترامه، بعلمه العصري الذي يجاري العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا يظهر وكأنه أقل خبرة من طلابه الذين سبقوه في استخدام التقنيات والبرمجيات المعاصرة.

في وقت ما زال بعض المعلمين يذكروننا بالكراريس التعليمية التي كانت صالحة قبل سنوات. إن عالمنا يتقدم بسرعة، هذا ما يجب أن يدركه معلمونا قبل فوات الأوان. أما المناهج الدراسية، فهي من الموضوعات التي دار حولها العديد من المؤتمرات، والمقالات والدراسات. ولعل الجميع يتذكر معركة المناهج، وكيف حاول بعض القوى الاجتماعية السياسية أن يهيمن عليها بإدخال أجندته السياسية والاقتصادية، ومن ثم الاجتماعية فيها.

كانت المناهج الدراسية هي التي تشكل الإنسان منذ المراحل الأولى للعملية التعليمية، سواء في رياض الأطفال أو غيرها، ولعل تجارب الأمم التي كانت تمر بنفس الأوضاع العربية الحالية، مثل اليابان وغيرها، جعلت من التعليم السلم الصاعد للمستقبل.

ومن هنا فإن الاهتمام بالتعليم أساس لإعداد المجتمع للوصول إلى الرقي والتقدم، ومؤشر على وعي السلطة السياسية في تنمية المجتمع وتطوره.

إن المناهج التي تقوم على الحفظ لم تعد صالحة لهذه الأيام، ووجود فريقين تعليميين ما زالا يؤمنان بأن هناك خطوطاً حمراً لا يجوز تجاوزها في المناهج، عائق كبير في وجه أي تقدم في التعليم. إننا يجب أن نعد لأنفسنا مناهج تضع تقدم المجتمع وازدهاره وبناء جيل علمي، على رأس الأولويات.

إن التغيير والتطور يبدأ من التعليم واستمرار تطوره، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل الرافدة له، لتحقيق الحلم في مجتمع متقدم يحتل المراكز الأولى في كافة المجالات. وبذلك ينتهي السراب للأبد، ويشع نور النهضة التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين على يد التنويريين من العرب، الذين عمل الكثيرون لإخماد بريقهم وإبقائنا في عالم التخلف الحضاري، حتى نظل المستهلك الأمثل للحضارة، بدلاً من أن نكون شركاء فاعلين في صنع الحضارة.