لعلي لا أجافي الحقيقية عندما أقول إن مجتمع الإمارات يمر بمرحلة تاريخية، لها الكثير من الدلالات التي تؤكد انتقال مجتمعنا إلى مرحلة نهضوية، لعل من أهم سماتها، أن المواطن عبر التجربة الانتخابية التي ستتسع بمرور الوقت، أصبح قريباً من مواقع صنع القرار.. يحدث هذا في سياق الرؤية الاستبصارية للقيادة الرشيدة، التي أدركت أن التغيير السريع يحدث ربكة وخللاً يصيب لا محالة البناء الاجتماعى.. و

هي حقيقة أكدها علماء الاجتماع في معرض دراساتهم لظاهرة التغير الاجتماعى social change، وهي من أكثر الظواهر التي شغلت لفيفا من أساتذة الاجتماع المعاصرين، ويستدل من نظرياتهم أن عوامل التغيير المادي لها وتيرة أسرع بكثير من مؤثرات التغير الثقافي أو المعنوي.. الأدلة والشواهد على ذلك لا تخطئها عين.

ولكن اللافت للنظر أن هنالك مجتمعات عديدة في المنطقة تعرضت لما أطلق عليه وليام أوجبرن "الهوة أو الفجوة الثقافية".. وهي الحالة التي يصاب فيها البناء الاجتماعي بتصدعات، جراء تعرضه لموجات متتابعة ومتلاحقة من المؤثرات المادية، والتي لا تؤثر كثيرا في التركيبة الثقافية للمجتمع التقليدي.

وهكذا يتعاطى أفراد المجتمع نتاج الحضارة المادية بسهولة، بل ويتعايشون معها. فعلى سبيل المثال، يمكن للإنسان أن يمتطي السيارة عوضاً عن الجمل، ويقيم في مسكن مزود بالكهرباء بدلاً من خيمة منصوبة في عر ض الصحراء..

وظاهرة التخلف الثقافي في أي مجتمع، تتبدى عندما تصطدم قناعات الإنسان مع واقعه الاجتماعي. لقد سعدنا كثيراً بأن الدولة فتحت الأبواب على مصراعيها أمام المواطنين، رجالاً ونساء، لدخول مضمار العملية الانتخابية، ولم تمر ساعات على بداية التسجيل حتى تسابق المرشحون لتسجيل أسمائهم لدخول المعركة الانتخابية، باتباع الموجهات العامة التي وضعتها اللجنة العليا المنظمة للانتخابات.

والمعركة الانتخابية التي أسدل الستار عليها الأسبوع الماضي، تعتبر بكل المقاييس أحد أهم مظاهر التغيير الاجتماعي الذي انتظم مجتمع الإمارات، من مدينة أبوظبى حتى الفجيرة.. وفي تقديري أن التجربة الانتخابية التي جرت مؤخراً، تميزت بخصائص ودلالات، يمكن تلخيصها في أربع نقاط:

أولاً: أنها عبرت بجلاء عن رغبة القيادة الرشيدة في إحداث تحول سياسي، يشارك فيه المواطنون ليكون بمقدورهم المساهمة في صنع القرار.

ثانياً: تميزت بالشفافية، والحداثة، ودقة التنظيم.

ثالثاً: جرت في جو طلق خالٍ من المزايدات والصراع المحموم.

رابعاً: أن خاصية المجتمع الذكوري ما زالت تقف عقبة أمام تقدم المرأة.

إن من تتبع بدقة سير العملية الانتخابية، باعتبارها أحد أهم مؤشرات التغيير الاجتماعي لمجتمع الإمارات، لا تفوته ملاحظة عزوف المرأة عن المشاركة في التصويت، بما يفيد أن المرأة لم تكن حريصة على مناصرة أختها المرأة.. وهي ظاهرة لوحظت أيضاً في الانتخابات الكويتية، وتستحق أن نقف عندها طويلاً.. ويبقى السؤال؛ لماذا تقف المرأة ضد تقدم المرأة؟

لقد شكلت نسبة المرأة في المجلس الوطني السابق 22.2%، وارتفعت نسبة المرشحات هذا العام إلى 46%.. وهذا يعني أن الدولة فتحت الباب على مصراعيه أمام المرأة لتساهم في الحراك التنموي، فإذا بالمجتمع ممثلاً في العقلية الذكورية، يحول دون ذلك. وهكذا يقف المجتمع ممثلاً في العادات والتقاليد، ضد إرادة الدولة، وهي حالة تستوجب الدراسة والتحليل.

نحن مع الرأي الذي يرى أن قضايا المرأة من صميم مسؤولية المرأة، فأهل مكة أدرى بشعابها.. ولم يعد معقولاً ولا مقبولاً أن يتولى الرجل الوصاية على المرأة اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وإقصاؤها عن المشاركة في إبداء رأيها في المسائل التي تهمها لم يعد مقبولاً.. فقبل أعوام مضت شكلت لجنة لإعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية، وهو قانون اجتماعي يهم كل أفراد الأسرة.

والمؤسف أن اللجنة لم تضم في عضويتها امرأة واحدة.. وهنالك قضايا ومشكلات مزمنة تعاني منها المرأة في بلادنا، وتنسحب على جميع أفراد الأسرة، ولا يتوقع أن تثار في المجلس الوطني الاتحادي من الأعضاء الذكور، لعدم معرفتهم بها.. وحتى أقرب الصورة، ترى كم من أعضاء المجلس السابق والقادم قد اطلع على الاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باسم "شيداو"؟

ومن منهم قرأ نص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل؟ إن المرأة الإماراتية هي الأجدر والأولى بطرح قضاياها أمام المجلس، وغياب العدد الكافي من العضوات المنتخبات، لا شك سيحول دون ذلك.

وهكذا تبقى مشكلات المرأة والأسرة والطفل معلقة في الهواء.. إلى أن يقضي الله أمراً.. إن عدم إقبال النساء المستحقات للتصويت على المشاركة في العملية الانتخابية لا يمكن تفسيره، مما يؤكد أن المرأة لا تحب أن تناصر بنت جنسها، أو تتولى الدفاع عن قضاياها.. وإذا سار الوضع على هذا المنوال، ستراوح قضايا المرأة مكانها، ويبقى منحها حق الترشيح والانتخاب دون أن يضيف جديدا!!