انتابتنا الدهشة قبل سنوات، حين نقل عن الرئيس المصري السابق حسني مبارك أنه حين يريد شيئاً من إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش الابن (الذي لم تكن علاقته بها على ما يرام) فإنه يلجأ لوساطة زعماء إسرائيليين كان أبرزهم شيمون بيريز رئيس الدولة العبرية الآن، لأن بيدهم مفتاح القرار الأميركي!!

الآن نكتشف أن الرئيس الأميركي نفسه حين يريد تمرير قرار خاص بالدولة الأميركية يطلب وساطة زعماء إسرائيل، وتكشف كبري الصحف الأميركية «نيويورك تايمز» أن الرئيس أوباما طلب عن طريق وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وساطة رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو عند نواب الحزب الجمهوري الأميركي، حتى يمرروا بعض القرارات التي يراها لمصلحة أميركا، ومنها قرار صدر في وقت سابق بمنحة للسلطة الفلسطينية لا تتجاوز 50 مليون دولار.

عندما تكون العلاقات بهذا المستوى، والرئيس الأميركي بهذا الضعف، فعلينا ألا نتعجب من موقف الرئيس الأميركي الرافض لإعلان الدولة الفلسطينية والذي يهدد باستخدام «الفيتو» لمنع اعتراف مجلس الأمن بالدولة التي قال في العام الماضي فقط إنه يتمنى أن يراها تحتل مقعدها في الأمم المتحدة هذا العام.

وعلينا ألا نصدم بهذا الخطاب الذي ألقاه في افتتاح اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي زايد فيه على كل المواقف المتشددة لكل زعماء العصابة الإسرائيلية، للدرجة التي جعلت البلطجي ليبرمان وزير خارجية الكيان الصهيوني يذهل من درجة انحياز الرئيس الأميركي ويقول إنه مستعد للتوقيع على كل كلمة قالها باعتبارها موقفه الشخصي، وللدرجة التي جعلت نتنياهو يقف على منصة الجمعية العامة بعد ذلك فلا يجد ما يقوله بعد أن قال أوباما كل ما يتمناه.

كان خطاب اوباما- بكل جدارة- إعلان إفلاس سياسي وأخلاقي للولايات المتحدة الأميركية. ولا شك أنه قدم - ربما دون أن يدري المبرر الأكبر للخطوة الفلسطينية بالتوجه للمنظمة الدولية طلباً للاعتراف بالدولة، فإذا كان الطرف الأميركي الذي نصّب نفسه راعياً لجهود السلام ومشرفاً على التفاوض بمثل هذا الانحياز الأعمى لإسرائيل فكيف يجرؤ على طلب الاستمرار في التفاوض العبثي الذي استمر حتى الآن لعشرين عاماً دون جدوى ؟

وإذا كانت الإدارة الأميركية بهذا الانبطاح أمام إسرائيل، وبهذه الوقاحة التي مارست بها ضغوطها على الفلسطينيين والعرب، والتي مازالت تمارس بها ضغوطها على دول أوروبا وعلى أعضاء مجلس الأمن، فكيف يمكن أن يمر طريق السلام في المنطقة من عندها ؟

وإذا كان الرئيس الأميركي بطبعته الجديدة الصهيونية حتى النخاع يبدو حريصاً قبل كل شيء على مسح صورته التي حاول ترويجها قبل ذلك في خطاب جامعة القاهرة باعتباره داعية للسلام العادل وللمصالحة بين بلاده والعالمين العربي والإسلامي، فهل يجوز لنا أن نتوقع منه إلا الأسوأ في العام الذي يسبق الانتخابات وبعد أن أصبح من أجل التجديد له مستعداً لأن «يبوس القدم ويبدي الندم على غلطته في حق الاستيطان والمستوطنين»؟!

مأزق اوباما وإدارته مأزق كبير. إنه لا يملك أي حل حقيقي يقدمه للفلسطينيين أو للعالم، وليس عنده إلا الاختباء وراء لافتة «التفاوض» الذي يعرف أنه لم يؤد إلى شيء ولن يؤدي إلى شيء، أفلتت الفرصة من يده حين تراجع أمام اليمين في بلاده وانكسر أمام اللوبي الصهيوني المتحالف مع أعتى فصائل اليمين المسيحي الأميركي. وهو الآن وحتى نهاية ولايته «رهينة» في أيدي هذا اللوبي الصهيوني بنفوذه الواسع في الانتخابات، والرهائن لا يقدمون المبادرات ولا يملكون الحلول!!

وربما لا يأبه الرئيس الأميركي وإدارته الآن بالسقوط الأخلاقي الذي يمثله وقوف بلاده مع الاحتلال وضد حق تقرير المصير وكل المبادئ التي حاولت أميركا أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها الحامية لها والمتمسكة بها. هذا السقوط الأخلاقي وقع بالفعل سواء تم استخدام «الفيتو» أو نجحت الضغوط في تجنيب واشنطن ذلك.

ولكن هذا السقوط هو بالنسبة لأوباما وإدارته قضية مؤجلة..ربما يحاسبهم عليها التاريخ، ولكن لن يحاسبهم عليها الناخب في العام القادم، بل ربما كافأهم إذا نالوا رضا اللوبي الصهيوني فلا يكون أوباما رئيسا لدورة واحدة كما يتوقع أعداؤه ومنافسوه!

ما يخشاه أوباما هو السقوط السياسي..أن يتحول «الفيتو» الذي يستخدمه إلى غضب في الشارع العربي والإسلامي، في زمن أصبح للشارع وزنه في اتخاذ القرار بعد ربيع الثورات العربية. والقرار هنا يتعلق بالمصالح الأميركية وما يمكن ان يجلبه عليها غضب مستحق، في وقت يمر فيه الاقتصاد الأميركي بأسوأ أوضاعه، ويواجه فيها النفوذ الأميركي ما يكفي من التحديات التي تجبره على التراجع المستمر!

المهم الآن أن يستمر الصمود الفلسطيني أمام الضغوط الأميركية الشرسة، والمحاولات الأوروبية لمنع الفضيحة الدولية لكل من يقف مع الاحتلال وضد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. والمهم أن يستمر الدعم العربي للموقف الفلسطيني الذي كسب بجدارة الجولة الأولى حين استعاد قضيته من قبضة أميركا المنحازة إلى مظلة الشرعية الدولية التي تخشاها إسرائيل والتي نجحت أميركا في إبعادها عن القضية لأكثر من عشرين عاماً أتاحت فيها الفرصة كاملة لإسرائيل لفرض هيمنتها على الأرض.

العودة للشرعية الدولية خطوة بالغة الأهمية.. والتفاوض العبثي انتهى، والاستفراد الأميركي الإسرائيلي بالفلسطينيين لم يعد له مكان. ومأساة الشعب الفلسطيني عادت تطرح نفسها على العالم. وأياً كانت نتيجة التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة فلم يعد ممكناً العودة للوراء. إنها بداية مرحلة جديدة، وصعبة، والحسم فيها مرتبط بأن نثبت للعالم أن الوضع في المنطقة قد تغير، وأن أوراق اللعبة التي تنازلنا عنها مجاناً قبل ذلك قد عادت إلى أيدينا، وأننا قادرون على استخدامها بما يحقق مصالحنا ويسترجع حقوقنا.