الفلسطينيون ما بعد خطاب الجمعية العامة

ت + ت - الحجم الطبيعي

بكل تأكيد، وبعيداً عن الملاحظات المحقة والجوهرية التي قد تقال من قبل العديد من القوى الفلسطينية المختلفة، فقد انتهت الجولة الأخيرة من المعركة السياسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في دورتها السادسة والستين ما بين 21ـ24/9/2011، بتحقيق إنجازات ومكاسب سياسية هامة لفلسطين، وإن بقيت الأمور معلقة في انتظار القرار التالي من مجلس الأمن الدولي بالنسبة لعضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، حيث بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة معركة سياسية جديدة لمنع تمرير الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن، واستخدام حق النقض (الفيتو) إذا تطلب الأمر.

لقد نشأت قضية فلسطين مع قيام عصبة الأمم المتحدة، إبان الهجرات الاستيطانية الإجلائية اليهودية الكبرى، التي تمت إلى فلسطين برعاية وحماية وترتيب سلطات الانتداب البريطاني، في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي (العشرين). ووقعت النكبة الفلسطينية الكبرى مع نشوء الأمم المتحدة نهاية الحرب الكونية الثانية، حيث لم تحظ قضية في العالم بهذا الزخم من الحضور في أدراج الأمم المتحدة، كما كانت وما زالت قضية فلسطين.

وفي الحراك الأخير داخل المنظمة الدولية، عادت قضية فلسطين إلى المنظمة الدولية مجدداً، بعد غياب طويل منذ مؤتمر مدريد عام 1991، حين همش دور الأمم المتحدة، ووضعت القضية بأكملها تحت رعاية وتفرد الإدارة الأميركية.

وبحضور متقطع لشاهد زور اسمه اللجنة الرباعية الدولية (الكفارتيت)، ومبعوثيها الذين كان معظمهم (ومنهم طوني بلير) ينتمون للجوقة نفسها التي ما فتئت تردد ذات الخطاب الأميركي والإسرائيلي، بالنسبة لعملية "التسوية" على مسارها الفلسطيني/ الإسرائيلي.

الجانب الهام في تلك المعركة، كان في وضوح الاصطفاف العالمي إلى جانب قضية فلسطين وشعبها، من قبل ممثلي أمم المعمورة بأسرها الذين صفقوا لفلسطين مرات عدة أثناء إلقاء كلمتها من على المنبر الدولي، في مواجهة صلافة وبؤس ونفاق الموقف الأميركي المقابل.

إضافة لافتضاح ميوعة وانتهازية الموقف الأوروبي، الذي حاول التمايز عن الموقف الأميركي، لكنه صب في نهاية المطاف في مسار رؤية واشنطن، التي لا تريد مكاناً لفلسطين، لا في الأمم المتحدة ولا على الأرض وتحت الشمس.

وبعيداً عن التقييم الشامل لتفاصيل كلمة الرئيس محمود عباس، وما احتوته من ثغرات هنا وهناك تعكس مضمون الخلاف السياسي في الساحة الفلسطينية، وعودته على تأكيد خياراته الوحيدة المتمثلة في انتهاج طريق المفاوضات وحدها دون غيرها، فقد كانت وبكل تجرد، متكاملة ومترابطة ومتناسقة، وتندرج في إطار الخطاب السياسي المتقن، خصوصاً في مقدمته في تشخيص المأساة الفلسطينية والتي نالت تعاطف الأسرة الدولية.

لقد تأكد من جولة الحراك السياسي الأخير في الأمم المتحدة، أن الوصول إلى الدولة الفلسطينية المستقلة لا يمكن أن يتم عبر المفاوضات وحدها دون غيرها، أو عبر السلام الاقتصادي الذي طالما روج له البعض. فالدولة الفلسطينية تتأتى بكفاح الشعب الفلسطيني ونضاله المتواصل.

ومن خلفه هذا الحلف الواسع من قوى الحرية والعدالة في العالم، حيث ثبت بالملموس أن أنصار القضية الفلسطينية هم غالبية شعوب ودول المعمورة، وأن إسرائيل في عزلة دولية مستمرة. لكن هذا العزلة ما تلبث أن تنحسر، حال فقدان الخطاب السياسي العربي والفلسطيني المتماسك والفاعل، في إطار الحراكات الدولية النشطة.

كما تأكد في الوقت نفسه أن إسرائيل أسقطت حل الدولتين، الذي أسقطه من قبلها صاحبه الأول الرئيس الأميركي باراك أوباما، عبر خطابه الفج المخادع، والمنافق، والمنافح عن الظلم والعدوان، والمنحاز للدولة العبرية الصهيونية، والذي تراجع فيه بخطوات طويلة إلى الوراء، عن خطابه العام الماضي في الجمعية العامة.

كما أسقطته إسرائيل، باستمرار عدوانها واستمرار نهب الأرض وتهويدها، وإصرار نتنياهو في كلمته أمام الجمعية العامة على نفي وجود مشكلة كبرى اسهما عمليات التهويد والاستيطان.

إن المكاسب السياسية التي تحققت عبر الحراك الأخير في المجتمع الدولي والأمم المتحدة، يفترض فيها أن تشّكل أساساً جديداً لانطلاقة فلسطينية شاملة في كل الميادين، تؤكد أن الشعب الفلسطيني الذي بدأ ربيعه مبكراً ها هو يعود لإحيائه، ولكن بطريقة أكثر قوة وصلابة وابتكاراً، متماشياً مع هبات الشعوب العربية في مواجهة أنظمتها الفاسدة والمستبدة.

إن مرحلة ما بعد أيلول، تفترض إسراع الجميع في الساحة الفلسطينية نحو ترجمة المصالحة الموقعة في أيار/ مايو الماضي في القاهرة، إلى حقيقة على أرض الواقع، وعلى طريق وضع استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة بين جميع القوى، خصوصاً منها القوى ذات الحضور والتأثير في المعادلة الفلسطينية؛ كحركتي حماس وفتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية/ القيادة العامة.. رؤية استراتيجية موحدة، عنوانها استثمار كل أوراق القوة في الحراك السياسي الجاري في العالم، من أجل نصرة الشعب الفلسطيني، وتجاوز "الخيار التفاوضي اليتيم وحده دون غيره"، الذي كبّل الساحة الفلسطينية وعمق هوة الانقسام السياسي والتنظيمي داخلها.

 

طباعة Email