أزهر بعض ورود الربيع العربي وملأ أريجها شرق بعض البلاد وغربها، وتنسم أهلها عبق الحرية بعد أن عاشوا عقوداً تحت نير الاستبداد والظلم وهضم الحريات وكتم الأنفاس، ويأمل الكثيرون أن يحمل هذا الربيع بين جوانحه الخير لتلك الشعوب، لتلتحق بركب الشعوب المتقدمة وليحظى أبناؤها بالعدل وإتاحة فرص العمل للجميع على قدم المساواة، من دون تمييز أو محاباة.
ونحن في دولة الإمارات، وإن كنا نقف مع حق الشعوب في اختيار مصيرها وإدارة شؤونها، ونهنئ الباحثين عن حقهم السياسي المهضوم، فإننا نحمد الله تعالى أن هيأ لنا قيادة متفتحة غرست أغصان العدل والمساواة بين الناس، وسقتها بماء الحرية والكرامة الإنسانية، وأينعت بين يديها شجرة الدولة المتفتحة المتناغمة قيادة وشعباً، لتسجل للشعوب نموذجاً يحتذى في فن السير نحو المستقبل الحضاري، مستهدين بإشراقة أصالة الماضي ومتانة الهوية وحقوق الإنسان.
بيد أن ظاهرة الربيع العربي في بعض البلدان ونيل القرب من شجرة الحرية والقضاء على الفساد، فتحت أمام بعض الشباب المتحمس الظن بأن مجرد إزالة غشاوة الاستبداد كفيل بفتح أبواب الرخاء والنعيم على مصاريعها، ولا حاجة إلى الصبر على نوائب الدهر وطلب العيش والرضى بالفرص المتاحة، ومساعدة الدولة الناهضة على تأسيس برامجها التنموية ومؤسساتها التي تضمن الوصول إلى ما يكفل العيش الكريم للجميع.
فقبل أيام لفت نظرنا خبر من مهد الثورات العربية في تونس، يحاكي فيه خمسة شبان تجربة البوعزيزي الذي أحرق نفسه، ويحاولون الانتحار شنقاً أمام مبنى وزارة التربية، بعد أن فشلوا في امتحان القبول في الوظيفة، وأدركهم الناس وأعادوهم إلى رشدهم وحياتهم قبل أن يخسروهما معاً.
خبر فيه من الغرابة بقدر ما فيه من الرعونة، وهو مؤشر قوي على حجم التسطيح الذي يتناول فيه بعض الشباب تجربة الاحتجاج على الواقع المعيشي، من دون الإحاطة بفارق الظروف ومراعاة فروقات التجربتين وأحوالهما والدوافع لهما.
والخشية إنما تكون من أن يغدو هذا الأمر عادة في صفوف بعض الشباب العربي ويتسرب إلى قناعاتهم، فيلجؤوا إلى إحراق أنفسهم أو الانتحار، لمجرد أنهم طلبوا الوظيفة وأغلق أمامهم بعض الأبواب، أو أنهم تعثروا في محاولة الوصول لهدف ما. هذا النوع من اللاوعي الانفعالي لدى الشباب، يسري كالنار المحرقة بينهم إن لم تتم الإشارة إليه والتنبيه عليه، بما يضمن عدم انتشاره، وحتى لا يجد العاطلون أنفسهم بعد فشل أول تجربة، وجهاً لوجه أمام إزهاق الروح احتجاجاً أو يأساً.
فالثورات كما يعرف علماء التاريخ، لا تحصد ثمارها في يوم وليلة، بل إن الثورة الحقيقية هي ثورة البناء بعد الإزالة لكل ما هو خطأ، والبناء لا يمكن أن يكون بعصا سحرية تقول للأشياء كن فتكون، بل لا بد من الصبر والأناة وتكاتف الجهود، وهو العمل الأهم والأخطر والأكثر حساسية ودقة، لما يحمله بين طياته من عقبات تقف أمامها النفوس لتستخرج أفضل ما عندها، لتقابل أسوأ ما في الظروف.
والوعي الجماهيري الحضاري، لا سيما لدى الشباب، هو الكفيل بالحفاظ على مكتسبات المنجزات الحضارية، وصونها عن التشرذم. والتركيز على الشباب كان دأب القيادات الناضجة المقدرة لأساسيات البناء الحضاري النهضوي، العارفة ببواطن الأمور.
فهذا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يتوجه للشباب خلال أحد لقاءاته مع القيادات المواطنة الشابة، يحضهم على العمل والمثابرة والإبداع ويقول لهم: "عليكم أنتم واجب المثابرة والإبداع لنزع الصلاحيات الوظيفية التي تطمحون إليها، لأن الصلاحيات لا تمنح بقدر ما تنزع، ليس بالقوة البدنية، بل بقوة الفكر والتميز وإثبات الذات، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصلحة الشخصية".
وأضاف في حديثه الأبوي، الذي يفيض تشجيعاً وتطميناً للشباب المواطن الباحث عن التميز وإثبات الذات، أن: "الشباب يحظون باهتمام ورعاية قيادتهم وحكومتهم"، واصفاً الاستثمار في البشر بأنه خير من الاستثمار في الحجر، ودولتنا تستثمر في الشباب الذين هم عماد البناء وركيزة التنمية ومحورها وبناة المستقبل.
هذا ما نعرفه عن وطننا وشعبنا وقيادتنا، وهذا ما نرجو أن يشيع في عالمنا العربي، حتى تزهر أشجار الربيع العربي المأمول، وحتى يجد الشباب في جميع أنحاء الوطن العربي أنفسهم قريبين من طموحاتهم وأحلامهم، من دون اللجوء إلى إزهاق الأرواح هرباً من الحياة، لأن الحياة بحاجة إلى كل جهد، والعمل الحضاري النهضوي يستثمر جميع الجهود ولا يبخس الناس أشياءهم.
وكلما كانت آفاق الحرية والعدالة والمساواة أرحب وأوسع، كانت الطموحات أكبر وأعظم، وإذا انسدت آفاق الأمل لدى الشباب بالعيش في كنف حياة كريمة، فلا بد أن يكون ذلك مؤشراً لما هو أكبر أثراً وأكثر شرراً، وهو ما لا نرجوه لأي من أرجاء وطننا الكبير.