على مدى سنوات كان حزب العدالة والتنمية التركي هو النموذج الذي يحظى بإعجاب التيارات الإسلامية في مصر، وحتى قبل الصدام التركي مع إسرائيل كان رجب طيب أردوغان هو النموذج الذي لا تتوقف الإشادة به من هذه التيارات باعتباره قائداً لتجربة «إسلامية» في الحكم تحقق نجاحاً كبيراً حقق لتركيا مكانة كبيرة وتقدماً هائلاً في مختلف المجالات.
عندما جاء أردوغان إلى القاهرة قبل أيام كانت الظروف قد تغيرت بعد الثورة وتغيرت معها المواقف، أصبح للإخوان المسلمين حزب هو «الحرية والعدالة» استلهاماً لحزب اردوغان «العدالة والتنمية» وأصبح لباقي التيارات السلفية وحتى الجهادية أحزابها. وأصبح التيار الديني لاعباً أساسياً في الساحة السياسية، ودخل في معارك تزداد اشتعالاً يوماً بعد يوم مع باقي التيارات السياسية أو داخل الفصائل الإسلامية نفسها.
في زيارة أردوغان استقبلته بعض هذه التيارات بالتظاهرات التي تهتف لعودة «الخلافة الإسلامية»، رغم ذكريات المصريين السيئة مع الخلافة العثمانية فإذا بها تفاجأ بأردوغان يقول إنه زعيم حزب «علماني» في دولة «علمانية» داعياً إلى الاستفادة من تجربة بلاده التي تقف فيها السلطة على مسافة واحدة من الجميع، مؤكدا ً أن وصف الحزب (أي حزب) بأنه إسلامي خطأ، فالأفراد يخطئون والحزب يخطئ، ولكن الإسلام لا يخطئ.
وكان رد الفعل على اردوغان من الجماعات والأحزاب الدينية عنيفاً، ووجهت له الاتهامات بانه يتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وبأن الأوضاع تختلف من بلد إلى آخر، وان عليه أن يوفر نصائحه لنفسه، وإن كان الأمر لم يصل ــ من باب حسن الضيافة ــ إلى اتهامه بالكفر والإلحاد ومعاداة الإسلام، وهي التهم التي يتم توجيهها بكل سهولة في مصر هذه الأيام ليس فقط للعلمانيين بل ولعموم الليبراليين واليساريين ودعاة الديمقراطية والعياذ بالله!!
ما حدث مع اردوغان ليس إلا لقطة صغيرة ووافدة على مشهد بالغ التعقيد ومليء بكافة الاحتمالات. فبعد شهور من العلاقات الطيبة بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين وباقي القيادات الإسلامية بلغت درجة الاتهامات من أطراف اخرى بوجود صفقة بين الجانبين، تشهد العلاقات الآن درجة من التوتر غير المسبوق.
وتصاعدت لغة التخاطب في بيانين للجماعة وحزبها إلى التهديد بالنزول إلى الشارع رفضاً لوثيقة تعدها الحكومة والمجلس العسكري بمبادئ دستورية حاكمة تضمن مدنية الدولة والحريات الأساسية وحقوق المواطنة، ورفضاً لأي حديث عن تأجيل الانتخابات البرلمانية التي يفترض أن تبدأ إجراءاتها قبل نهاية هذه الشهر وأن تتم خلال الشهرين التاليين.
وقد جاءت أحداث الجمعة قبل الماضية وما شهدته من أحداث اقتحام السفارة الإسرائيلية ومحاولة اقتحام مقر وزارة الداخلية وبعض المؤسسات الأخرى، ثم ما تلا ذلك من الإعلان عن تفعيل قانون الطوارئ وتوسيع نطاق اختصاصاته.
وكذلك الإعلان عن إجراءات ضد بعض القنوات التليفزيونية وأحاديث عن ضبط لغة الإعلام، جاء ذلك كله ليزيد هواجس التيارات الدينية من ان يكون وراء ذلك رغبة في تأجيل الانتخابات، وهي الحريصة على إجرائها في اقرب وقت لأنها ترى أن الظروف ملائمة لها وأنها الأقوى والأكثر تنظيماً وإمكانيات من كل التيارات السياسية الأخرى ومن الأحزاب القديمة المتهالكة والجديدة التي لا تملك الفرصة ولا الوقت للاستعداد.
وهكذا تصاعدت اللهجة مرة اخرى، وعادت بعض قيادات الإخوان للحديث في تصريحات علنية عن «الاستعداد للاستشهاد» وعن فتح جميع سيناريوهات التصعيد، والحديث لأول مرة من جانب جماعة الإخوان عن التصدي لــ«عسكرة النظام» بعد أن كانت (مع العديد من الجماعات الإسلامية) تتبادل مع المجلس العسكري عبارات الغزل والإشادة قبل أسابيع فقط!!
إلى أين يمضي هذه التصعيد؟..لا أحد يدري، ولكن الموقف ــ بلا شك ــ خطر، ويضاعف من خطورته ان إدارة الفترة الانتقالية من جانب الحكومة والمجلس العسكري تتم بطريقة سيئة، وأن قوى الثورة الحقيقية لم يتم حشدها وراء خطة عمل محددة، بل تم تركها لتنقسم وتتصارع.
وأن القوى الليبرالية تفتقد التنظيم والإمكانيات، وأن الشباب الذي كان وقود الثورة يجري تهميشه أو يتعرض لمحاولات اختراق رهيبة، وأن الشارع مضغوط بغياب امني غير مبرر وبفيضان من الاحتجاجات الفئوية على مظالم موروثة من النظام السابق، وبظروف اقتصادية تحتاج للتحرك السريع.
والوضع يسير نحو المزيد من التصعيد من كافة الأطراف. وحتى المرشحون للرئاسة يهددون بـــ«سحب الثقة» من المجلس العسكري اذا لم يتم الاعلان عن انتخابات الرئاسة في موعد أقصاه فبراير القادم. والعديد من القوى السياسية تطالب بجدول زمني لانتقال السلطة، والإعلان عن انتخابات برلمانية سيصدر قبل نهاية الشهر بينما القوانين الخاصة بالانتخابات مازالت محل خلاف.
والجدل مستمر حول الدولة المدنية والدولة الدينية، وحول العسكر وغير العسكر، وحول الانتخابات أولا أم الدستور، وحول من يحتل صينية ميدان التحرير قبل الآخر، بينما الرصيد عند المصريين ينفد يوماً بعد يوم، رصيد الأمل ورصيد الاحتمال، وهذا هو الخطر الأكبر الذي نرجو أن يلتفت إليه الجميع قبل فوات الأوان!!