لا شك أن من المظاهر الاحتفالية المجتمعية السالكة في كل مجتمعات دول الخليج العربية، انتشار المجالس الرمضانية، وهي ظاهرة لها جذور تاريخية تعبر عن الخصائص الاجتماعية للمجتمعات القبلية، حيث درج الأفراد والجماعات من أبناء العشائر على التجمع للتداول في كافة شؤون حياتهم..
كما أن الناس درجوا منذ وقت موغل في القدم، على جعل رمضان أفضل مناسبة لحسم الخلافات والمشاكل التي كانت تنشب بين القبائل، بسبب الصراعات حول مصادرالمياة وأماكن الرعي.. ثم أدى تدفق النفط في دول الخليج إلى إحداث تغيرات هيكلية شملت كافة جوانب الحياة، وأدت بدورها إلى تلاشي ظاهرة البداوة في شكلها العام، مما أدى بالضرورة إلى اختفاء كثير من العادات والتقاليد والأعراف المرتبطة بخصائص النظام القبلى، والتي لا يتسع لها حيز المقال.
ويذهب علماء الأنثربولوجيا الثقافية، إلى أن التغير الاجتماعي عملية مصاحبة لأي تغيير يلحق الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وأن التغير يصيب بعض أنماط الهياكل الاجتماعية.. ولكن التغيير الاجتماعي لا يمكن أن يلغي تماماً جماع الموروث الاجتماعي. ولهذا نقول إن تلاشي ظاهرة البداوة في كثير من جوانبها، لم يقض على معظم عقائد الناس، أو عاداتهم وأساليب معيشتهم، سواء في عادات الزواج ونوع الطعام، أو الأزياء والفنون والتراث الشعبي.
ولهذا لم تندثر ظاهرة المجالس الشعبية، ولكن تغيرت مظاهرها واكتسبت نسقاً حضارياً، كما أن طبيعة الموضوعات والمشكلات التي يجري التداول بشأنها، قد طرأ عليها تغيير كبير.. فما عادت قضايا مصادر الدخل، مثل الصيد ومواسم صيد اللؤلؤ ومصادر المياه تلقى أي اهتمام، لأن كل دول الخليج تجاوزت هذه الحالة، بل أصبحت وقائع تاريخية.
والمتتبع لابد ان يدرك أن تعدد المجالس الشعبية في رمضان هذا العام كان لافتا للنظر.. ومع أن المجالس الشعبية نشأت واستمرت كنشاط ذكوري، إلا أننا شهدنا عدة مجالس نسائية انعقدت هذا العام، تم فيها طرح قضايا جوهرية تهم المرأة والأسرة والطفل، وظواهر أخرى كالبطالة بين الخريجات، أو تفشي العنوسة.. وغيرها.
ومع أهمية القضايا التي شغلت الكثيرين، والتي تصدرتها أزمة المجاعة التي ضربت القرن الإفريقي والصومال تحديدا، وجهود تنظيم حملة إغاثة لشعب الصومال كشعب عربي ومسلم.. إلا أن القضايا السياسية شغلت مجالس الرجال والسيدات في مجالس رمضان هذا العام. ولا بد أن تلازم شهر رمضان مع بداية إجراءات التسجيل لانتخابات المجلس الوطني، كان وراء هذا الاهتمام، بسبب قرب العملية الانتخابية.
والتي حسبما أرى ستكون أكبر نشاط سياسي مكثف يشهده مجتمع الإمارات. واللافت للنظر أن النقاش دار سجالا في أحد المجالس النسوية، حول دور المرأة في العملية الانتخابية، خصوصاً بعد قرار زيادة نسبة مشاركة المرأة في الانتخابات إلى 46%.
والتي في اعتقادى ستحدث نقلة نوعية في تطور الحركة السياسية في بلادنا.. إن رفع نسبة مشاركة المرأة لخوض الانتخابات، جاء من إدراك القيادة الرشيدة للدور الحيوي والمكانة المرموقة التي تحتلها النساء في كافة المواقع، والتي أثبتن فيها جدارة لفتت أنظار خبراء الموارد البشرية في كل الوزارات والدوائر المحلية.
إن المجالس الرمضانية تحولت إلى برلمانات شعبية مفتوحة، دارت فيها حوارات هادئة وجادة في المسائل التي تهم الغالبية، كغلاء الأسعار، وجرائم الأحداث، وظواهر الطلاق، وتخلف الأولاد عن البنات في نتائج الشهادة الثانوية، وتعدد الحوادث المرورية بسبب قيادة المراهقين والتي غالباً ما تنتهي بالوفاة.
المجالس الرمضانية برزت منذ عقود، كشكل من أشكال التواصل والتقارب الاجتماعي بين أفراد أو جماعات ذات أصول قبلية أو عشائرية واحدة، تجمع بينهم روابط ومصالح مشتركة، بل وهموم ومشاكل يستفاد من المجالس في طرحها لإيجاد حلول لها.
. وقيمة هذه المجالس الشعبية أنها تسلط الأضواء على القضايا التي تشغل بال أبناء الوطن، إلا أن مجالس المدن والمناطق الحضرية صارت تضم أفرادا من الطيف الاجتماعي، بل في كثير منها تتاح فرص لحضور أغراب ووافدين، حيث يتم تناول موضوعات محلية وإقليمية أو دولية..
ورغم انفضاض المجالس الرمضانية بانتهاء الشهر الفضيل وحلول عيد الفطر المبارك، إلا أن المجالس الرمضانية لهذا العام، تميزت بزيادة أعدادها وتنوع موضوعاتها، بما يشير إلى أن المجتمع الإماراتي صار أكثر انفتاحا على مجريات الأحداث، وقدرة على رصدها وتحليلها، وقد لاحظنا ذلك من خلال التغطية الصحافية لبعض ما دار في بعض هذه المجالس.
وفي اعتقادي أن مجتمعنا استطاع عبر التجارب والخبرات الاجتماعية المتراكمة، أن يؤسس بل ويطور تجربة المجالس الرمضانية، فأصبحت صيغة مبتكرة لمجالس شورى تستلهم مرجعيتها من الموروث الثقافي والحضاري المستمد من التراث والقيم الإسلامية السمحاء، وهي تجربة نحن جميعا مطالبون بتمكينها في أذهان وعقول أبنائنا، لارتباطها بالتراث العربي.. كما أنها تجربة مجتمعية تحولت إلى برلمانات شعبية يطرح فيها العديد من القضايا التي تهم الناس.. كل الناس.
وحتى نبقى على هذه التجارب المجتمعية الأصيلة، حبذا لو تتاح الفرصة للشباب لحضور المجالس الرمضانية، وذلك لنبقي على التواصل بين الأجيال، ولنحافظ على إقامتها حتى في الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية.. والارتقاء بها لتصبح نموذجاً يتفرد به مجتمع الإمارات، مع تطوير فكرة المجالس وإبعادها عن المظهرية وأجواء المشاحنات والمزايدات، لكي لا تصبح منابر لبث روح الفرقة، بل نريدها منابر حرة للشورى وتبادل الأفكار، وتبني المبادرات البناءة التي تدعم جهود الدولة للمضي قدماً في تجربة التنمية والإعمار، تجربة تتوافق مع المستجدات والمتغيرات..
ولتواجه التحديات التي ربما تجيء بها رياح التغيير والإصلاح الذي بشرت به القيادة الرشيدة، للمضي بالدولة والمجتمع إلى مراقى التقدم، خصوصا وبلادنا تستعد للبدايات الأولى لأكبر وأهم عملية انتخابية تشهدها دولة الامارات العربية المتحدة، والتي نأمل أن تسير في كل مراحلها على إيقاع منتظم، وأن تجري في مناخات ملؤها المصداقية والشفافية.