ما الذي لا ينبغي أن نتوقعه في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الصيف المقبل، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القضايا التي تم تجنب التطرق إليها في 2008 وما بعدها؟
هناك أحاديث كثيرة عن فرط تدين المرشحين الجمهوريين المحتملين؛ ميشيل باكمان وريك كيري، على الأقل في نظر البعض. لكن وسائل الإعلام وطدت لسابقة مهمة قبل أربعة أعوام، عندما اعتبرت أنه لا يمكن تحميل أي مرشح المسؤولية عن معتقدات أو آراء كنيسته. فالقس جيريميا رايت، راعي أبرشية أوباما طيلة 20 عاماً، كان رجلاً عنصرياً صلفاً، ومن أشد المروجين لنظريات المؤامرة، حتى أن رعايا أبرشيته كانوا يصفقون له عندما كان يهتف بأعلى صوته "لعن الله أميركا".
كما أن موضوع التحصيل الدراسي والأكاديمي، لا يفترض أيضاً أن يكون من بين القضايا التي ستتناولها حملة 2012. فلقد أشارت مقالات حديثة إلى وثائق مسربة من السجل الجامعي لحاكم تكساس ريك بيري، تظهر حصوله على علامات متدنية في بعض المواد. لكن أوباما لم يكشف قط عن سجله الجامعي، ومع ذلك قررت وسائل الإعلام في 2008، ألا تتابع الموضوع، كما فعلت عندما كشفت عن الدرجات المتدنية لكل من جورج بوش الابن وآل غور وجون كيري. من الواضح هنا أيضاً، أن أوباما أسس سابقة حكيمة أخرى، مفادها أن سجلات الدراسة الجامعية التي مضى عليها ردح طويل من الزمن، غير ذات صلة بالحاضر السياسي للمرشح.
وحتى موضوع الكياسة، فهو أيضاً غير مطروح على طاولة النقاش. فلقد نصح أوباما اللاتينيين بـ"معاقبة أعدائنا"، وسخر من الخصوم لرغبتهم في وضع "تماسيح وخنادق مائية" على الحدود مع المكسيك. كما تحدثت تقارير عن أن مستشاريه وعدوا بـ"قتل رومني"، في إشارة للمرشح الجمهوري المحتمل ميت رومني.
وكذلك، فإن موضوع البعبع القديم جورج بوش لن يهم كثيراً بحلول 2012. فمنذ 2008 وأوباما يلقي اللوم على بوش في ارتفاع معدلات البطالة المزمن، العجز القياسي في الميزانية، الدين الوطني المهول، الاضطرابات الخطيرة في سوق البورصة، تخفيض التصنيف الائتماني لأميركا، استمرار ركود سوق العقار وانعدام النمو. لكن حتى مؤيدو الرئيس الأميركي، يقرون بأن أوباما بات الآن أخيراً "يمتلك" الاقتصاد، خاصة وأنه قال متفاخراً في أول عهده في أوائل 2009، أنه إذا لم يصلح الأمور خلال ثلاثة أعوام، لن يستحق فترة رئاسية ثانية.
في حملة 2008، انتقد أوباما الحرب على الإرهاب، معتبراً إياها غير فعالة أو غير دستورية. لكن تلك القضية ستكون هي الأخرى شيئاً من الماضي في 2012، لأن أوباما تبنى كل بروتوكولات وحروب بوش- تشيني لمكافحة الإرهاب، لا بل إنه وسع نطاق العديد منها. وسوف تسلط إعلانات حملة أوباما الضوء على إنجازاته، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي أصدر الأوامر بتنفيذ الضربة الناجحة التي نالت من ابن لادن، وليس باعتباره السياسي المؤمن بالحريات الذي أغلق غوانتنامو كما وعد!
والكونغرس "الكسول" الذي خذل أوباما، لن يبرز كقضية ذات شأن أيضاً. فكما يذكر الجميع، ظل أوباما يتمتع بأغلبية كبيرة في مجلسي الكونغرس حتى يناير. وهكذا استطاع تمرير كل سياساته؛ من قانون الرعاية الصحية، إلى الإعانات التي بلغت قيمتها تريليون دولار، معتمداً على أصوات أغلبيته الديمقراطية. وذلك الكونغرس "الكسول" هو ذاته الذي لم يمرر قانون العفو عن الأجانب المخالفين لقوانين الإقامة، ولم يمرر القانون الذي يفرض على الشركات العمل على خفض غازات الاحتباس الحراري، وفشل في دفع عجلة النمو الاقتصادي. وحتى الآن، لا يزال الجمهوريون الصاخبون - لكن الواهنون إلى حد كبير - لا يسيطرون إلا على ثلث الحكومة الأميركية.
لكن إذا كانت هذه كلها ليست قضايا ذات شأن في الحملة الانتخابية المقبلة، فماذا ستكون القضايا إذن؟ إنه الاقتصاد. إذا استمر المشهد الكئيب الحالي أو تفاقم، سيضطر أوباما للمجادلة، كما فعل من قبله هيبيرت هوفر في عام 1932، بأن علاجاته الاقتصادية القائمة على الاقتراض والإنقاق لم تؤت ثمارها بعد، في أول أربع سنوات. وهكذا سيدعي أنه بحاجة إلى ثمانية أعوام، وليس أربعة، لإنجاح اقتصادياته. لكن ليس من المرجح أن تقنع هذه الحجة الواهية الكثيرين.
ولكن إذا تحسنت الأمور بعض الشيء خلال السنة المقبلة، فسيصرّ أوباما عندئذ على أن مقوياته الإنفاقية بدأت تؤتي ثمارها أخيراً، وأنه يستحق فترة رئاسية ثانية لمواصلة رعاية الاقتصاد الذي بدأ يستردّ عافيته.
هذا بكل ببساطة، فحوى الحملة الانتخابية المقبلة؛ الاقتصاد، ثم الاقتصاد. وكل القضايا الأخرى لن تكون مطروحة على طاولة البحث، أو لن تكون ذات صلة، وهذا يعود لحد بعيد إلى أوباما نفسه.