موجة الشغب التي اجتاحت بعض المدن البريطانية خلال الشهرالماضي أثارت جدلاً واسعاً في أوساط المراقبين للمتغيرات العاصفة التي تجري في عديد البلدان في العالم المعاصر، وتوسّع البعض في توظيف الظاهرة لبورصة الجدل السياسي العقيم حيث سمعنا من بعض ممثلي الأنظمة التوتاليتارية الفجة نصائح موجهة لحزب المحافظين البريطاني، كما رأى البعض في هذه الموجة إشارة إلى أن ما يجري في العالم العربي لا يختلف عن ما يجري في بريطانيا!! فيالها من مقاربات متهافتة.

 

والحقيقة الواضحة أن الظاهرة التي بدأت في إحدى ضواحي مدينة لندن المترامية الأطراف.. تلك الظاهرة جاءت بصورة عفوية وكرد فعل ساذج تجاه حدث محدود جرى على النحو التالي :

 

 

طاردت الشرطة البريطانية أحد المواطنين من المنخرطين في تجارة المخدرات واستخدام السلاح، وتمّ تبادل اطلاق النار معه، والهارب المسلح لم يكن بخبرة الشرطة المدربة فأردوه قتيلاً، وهو أمر نادر الحدوث في بريطانيا، فالشرطة البريطانية من أكثر الوحدات الحكومية انضباطاً واحتراماً للإنسان، لكنها تكون في حيرة من أمرها عندما يستخدم الهارب الرصاص الحي ضدهم.

 

تالياً وعطفاً على الحدث كان لابد للتحقيقات أن تأخذ مجراها، وأن يتم تسليم جثة القتيل بعد استكمال التحريات والتحقيقات اللازمة، لتحديد وجه الخطأ في ما حدث، لكن أهالي القتيل أصروا على استلام الجثة قبل استكمال الجوانب الاجرائية، وبالتداعي.. تحرك بعضاً منهم لتدمير سيارة من سيارات الشرطة، وعندما وجدوا أن المكان خال عملياً من شرطة مكافحة الشغب ذهبوا بعيداًً في الفعل الجنائي من خلال حرق سيارتين وباص. وهكذا بدأت متوالية الجنون، بحرق ونهب بضع متاجر، وسرعان ما انتشرت موجة الفوضى لتطال عدة مدن، وكان لوسائل الاتصال دور حاسم في التواصل الاجرامي بين المنخرطين في الشغب.

من المؤكد أن ضاحية توتنهام متعددة الأصول العرقية تُعتبر من أفقر مناطق لندن، وتجمع كثرة كاثرة من المعتمدين على المعونات الاجتماعية، وكذا من الهائمين في موسيقى «الراب» وصرعاتها، وهذا النفر من الشباب يبحث عن المال والشهرة عبر الانخراط في الموسيقى الصاخبة، مُتناسين ان الفنان الحقيقي نادر الظهور، وأن الغالبية العظمى منهم لاحظ لهم في تحقيق مثل تلك الاحلام النرجسية الفارغة.

وعلى خط متصل يحلم البعض الآخر بان يكونوا رياضيين يُشار لهم بالبنان، لكن هذا الأمر بدوره ليس سهل المنال، ولا يتوفر إلا لمن يسعفه الحظ والموهبة الاستثنائية، وفي كلتا الحالتين الرياضية والموسيقية ينخرط الغالبية العظمى من هؤلاء الفاشلين في بورصة تجارة المخدرات، ومختلف السلوكيات المخالفة للأنظمة والقوانين، وصولاًً إلى استخدام السلاح. وهنا لنا وقفة لنستبين أمر السلاح في المجتمع البريطاني.

من المعروف أن بريطانيا مجتمع خال من السلاح، لكن ظاهرة السلاح الفردي انتشرت في الآونة الأخيرة من خلال تهريب أنواع من الأسلحة غير النارية، ذات المظهر المشابه تماماً للمسدسات، وكانت جُل هذه الألعاب تصل من الصين، ولا تختلف في مظهرها الخارجي عن المسدسات النارية القاتلة.

مع الأيام اكتشف العقل الإجرامي وسائل ناجعة لتحويل هذه الألعاب إلى أسلحة حقيقية، بل وتم البدء في استعمالها، وسُجلت العديد من أعمال القتل والترويع التي استخدمت فيها تلك الألعاب بعد أن تحولت إلى أسلحة حقيقية، وهنا وقفت الحكومة البريطانية أمام الظاهرة، وكان القرار المنطقي القيام بحملة واسعة ضد منابع هذه الأسلحة، وملاحقة حامليها ومروجيها، ومن هذا الباب وقعت تلك الحادثة التي اشعلت الفتيل، فالمقتول كان يحمل سلاحاً، وكان مطارداً من الشرطة.

يعتب البعض على حزب المحافظين الحاكم، ويشير البعض الآخر إلى مثالب سياسات شد الحزام المبالغ فيها التي اتبعها المحافظون، كما يؤخذ على المحافظين القيام بحملة مكافحة السلاح في أوساط المهربين والمجرمين دون تمرير المشروع على البرلمان البريطاني، وينتقد الاجتماعيون والتربويون سياسات الدعم المالي المباشر للعاطلين، والتي انحرفت عملياً عن مقاصدها من خلال استمراء جُل المشمولين بهذه السياسة للعطالة والتطفُّل على المال العام.

وهنالك أيضاً من ركّز على الجوانب التربوية المتعلقة بالحريات المنفلتة من عقالها، كحرية انجاب الأطفال دون أب، وحرية العلاقات البينية بين الرجال والنساء دون مظلة زوجية حاضنة وحامية للجيل الجديد، بالإضافة إلى تشجيع ظاهرة المثليّة الجنسية التي خلقت وتخلق أنماطاً من الأفراد غير الأسوياء سيكولوجياً.

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الملاحظات على وجاهتها لا تمنعنا من القول بأن ما حدث لا صلة له عملياً وبصورة مباشرة بهذه الأسباب، فالفعل كان محض اجرامياً، والذين قاموا به لا قضية لديهم.

تلك الظاهرة تستحق الدراسة والاستسبار من قبل المجتمعات المختلفة، فالأزمات الطارئة ليست صادرة من فراغ، وكل أزمة تؤشر إلى جملة عوامل مجتمعية تستحق النظر.