يرى الرئيس الأميركي باراك أوباما وجماعته من التكنوقراطيين، الذين يساهمون بضخ الأموال، الأمور المنطقية في غاية البساطة. فبالنسبة إليهم، تكمن مشكلة أميركا في سوء أحوالها الاقتصادية، ويكمن الحل في اقتراض مزيد من الأموال الحكومية. وبذلك تعود البلاد إلى ازدهارها.
ولكن بعد ما يقرب من ثلاث سنوات، وبعد اقتراض نحو 5 تريليونات دولار من أجل خطة "التحفيز" الاقتصادي، ازدادت الأوضاع سوءاً، حيث ثبتت نسبة البطالة عند 9.1%، وانخفضت ثقة المستهلك أكثر من أي وقت مضى، وتكبدت سوق الأسهم خسارات فادحة، في حين ارتفع معدل الديون الوطنية إلى 4 مليارات دولار يومياً، وتراجع النمو الاقتصادي، وتم تخفيض الجدارة الائتمانية. ولا يزال سوق الإسكان يعاني من حالة اكتئاب، وأسعار المواد الغذائية والوقود تواصل ارتفاعها. وفي النتيجة، لم تتجاوز نسبة الشعب الذي عبر عن ثقته بطريقة تعامل الرئيس أوباما مع الاقتصاد، 26 في المئة.
وعلى ما يبدو، ليس من السهل على الحكومة، وهو ما اعترف به أوباما نفسه مؤخراً، أن تخلق فرص عمل جاهزة، غير أنها نجحت وبجدارة، في إثارة ذعر الشركات المكتنزة نقدياً، وشل قدرتها على التوظيف، من خلال حديثها المستمر عن فرض قدر أكبر من الضرائب، والمزيد من الديون الوطنية، والالتزامات، وتهديدات الحكومة بإغلاق المحطات الخاصة، وارتفاع أسعار موارد الطاقة.
لا يزال أوباما يعد باقتراض المزيد من المال، من أجل تحسين "البنية التحتية" وتوفير "الوظائف". وعلى الرغم من ما يقارب 15 تريليون دولار من الديون الاتحادية، يبدو أن الإدارة تريد أن تتحدى قواعد المنطق، وتواصل القيام بالأمور ذاتها التي تسببت في تفاقم المشكلة في المقام الأول، تحت مسمى "استثمارات".
لقد صاغت الثقافة الشعبية الأميركية جميع أنواع التحذيرات من التكرار بلا تفكير، فقال الأميركيون القدامى "لا تجلد حصاناً ميتاً"، و"إذا كنت في حفرة، توقف عن الحفر"، و"الجنون هو فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً، وتوقع نتائج مختلفة". ومع ذلك، تصر الإدارة الأميركية على تمسكها بالمغالطة، التي تقول إنه لا يمكن إثبات ضرر الدواء السام ما لم يعط بالجرعة الكافية، والدليل على ذلك أن المريض الذي تتدهور حالته لم يمت بعد.
وتنشأ المغالطة نفسها في ما يتعلق بأعمال الشغب في بريطانيا، وعصابات الغوغاء التي تهاجم المدن الأميركية. ومع ارتفاع قيمة الكوبونات الغذائية، وإعانات السكن، والتأمين ضد البطالة، ومدفوعات العجز، والمساعدة العامة في دول الغرب الغنية، لماذا يعمد اللصوص غالباً إلى استهداف المتاجر الراقية؟ هل فعلاً نجم الإجرام عن نقص الاستثمارات العامة والرعاية الحكومية، أو ربما كان نتيجة للتدليل المفرط والاتكالية؟ ومع ذلك، لا يزال بعض المراقبين يتحدثون عن تجديد "الاستثمارات"، وليس عن تقليم البرامج المدمرة، التي على ما يبدو سهلت للطبقة الدنيا الغاضبة، سرقة متاجر الإلكترونيات ومحلات الملابس.
ولا يجب أن ننسى المشروع الذي ترعاه الحكومة حالياً والمسمى "ملايين الوظائف الخضراء"، وهو دعوة أطلقها أوباما و"قيصر الوظائف الخضراء" فان جونز، زاعمين أن هذه الدعوة ستدفع عجلة الاقتصاد وتتوجه بأميركا نحو طاقة مستدامة غير مكلفة. لكن عشرات المليارات من الدولارات التي ستهدر فيما بعد، ستضاهي تقريباً تكلفة الكهرباء والغاز. كما أن فكرة جعل الطاقة الخضراء المدعومة أكثر تنافسية من خلال تقليص عمليات التنقيب عن النفط، إلى جانب محاولة إغلاق مصانع الفحم وخطوط أنابيب الغاز، لم تؤد إلا إلى ارتفاع أسعار موارد الطاقة، وبالتالي زيادة أعباء البيوت الأميركية.
ومن جهة أخرى، لم تساهم المبالغ الضخمة التي أنفقت في سبيل دعم الطاقة الخضراء، في توفير طاقة أو فرص عمل جديدة، بل لم تساهم سوى في توفير الكثير من المال العام لصالح صفقات محببة إلى الإدارة الأميركية، وشركات صديقة إما أعلنت إفلاسها، أو أحالت عدداً من وظائفها إلى الصين، أو وظفت العاطلين عن العمل بتكاليف جنونية، وصلت في بعض الأحيان إلى مليوني دولار للعامل الواحد.
حتى الآن، وعلى الرغم من فشل التجربة، يردد الرئيس أوباما شعار "ملايين الوظائف الخضراء"، الذي لا ينفك يردده منذ عام 2008، مستنداً إلى الفكرة المغلوطة بأن الإعانات الضخمة التي قدمت للمحطات المدعومة من قبل الحكومة، ومنها "إيفرغرين سولار" في ولاية ماساشوستس و"جونسون كونترولز" في ميشيغان، لم تؤت ثمارها لأنها لم تكن بالضخامة المطلوبة فحسب.
وبينما نشهد العجز المالي الذي تمر به دولتنا الديمقراطية، والانهيار النقدي في جنوب أوروبا، والإجرام المتفشي بين أفراد ما يسمى بالطبقة الغربية الدنيا، يشير المنطق إلى أن العجز الحكومي الهائل لم يخفق في تحقيق المثالية الموعودة فحسب، بل أسفر أيضا عن فوضى مؤكدة.
ولكن أولئك الذين تم استغلالهم مادياً ونفسياً في سياسة الاقتراض الحكومي والإنفاق التي لا نهاية لها، يؤمنون بحجة "لم يكن ذلك كافياً".