ليس زعماً بلا مصداقية واقع، حين نقول إن يد الخير في الإمارات وأهلها ممدودة ذات اليمين وذات الشمال، لتغمر من سأل ومن لم يسأل، في غير منّة جارحة، أو تلكؤ مؤلم لذي الحاجة، فالتسابق نحو أبواب الخير معروف في مجتمعنا، والحمد لله على ذلك، حتى أصبح ثقافة يتلقاها الصغار عن الكبار وكأنها اللغة المحكية أو العرف الذي لا يقبل التساهل. وهي ثقافة مهدت لها الأصالة العربية المتشربة في تكوين أبناء الإمارات، في التسارع لنجدة المنكوب أو الملهوف، دون انتظار مقابل، وقد عرفها عن أبناء الإمارات كل من عاشرهم وعرفهم، بل عرفها من لم يطأ أرض الإمارات يوماً، حين وصلته أيادي أبناء الوطن عند الملمات والحاجات.
ومصائب الناس كثيرة، ولا يكاد يخلو يوم من أحد قد حادت به الظروف فوقع في أزمة أو تورط في قضايا مالية تعثر في سداد التزاماتها، فيهرع إلى طلب الغوث بعد أن توصد عليه أبواب السجون، وتلعب الصحف المحلية دوراً في كثير من الأحيان بالوساطة المباركة بين الطرفين، المانح والمحتاج..
لكن، هنا لا بد من وقفة طويلة أمام منزلق اجتماعي يتشكل من هذه الثلاثية الاجتماعية؛ معسر يعاني من ضائقة، يلجأ للصحف لنشر معاناته، يتلقفها محسن فيحمل عنه ديونه، ثم بعد ذلك تنتهي القضية، تاركة في نفوس بعض الناس ثقافة ترشح قليلاً قليلاً إلى السطح، ليستمرئ بعضهم الدخول في هذه الحلقة واثقا من الخروج منها في أسرع وقت، في حال تورط بالقروض أو الديون، اعتماداً على فاعلي الخير الكثر على أرض الوطن وبين أبنائه.
أصبحنا نقرأ في الآونة الأخيرة عن الكثيرين وراء القضبان بشيكات بلا رصيد بالملايين، أو قروض كبيرة وبطاقات ائتمان بأرقام خيالية، وغيرها من القيود التي ينوء بها أصحاب الدخول الكبيرة، فضلاً عن محدودي الدخل، وتراهم يعيلون أسراً ويسكنون بالإيجار، وغيرها من السلاسل المقيدة، وفي كل مرة تنزف قلوبنا لأحوالهم، ولا نجد من الملائم الخوض في تساؤلات بسيطة تخطر بالبال بلا إجابة؛ ما الذي جعل مثل هذا الإنسان يبالغ كل هذه المبالغة في القروض والديون، والشيكات بلا رصيد، والبطاقات الائتمانية؟ ألم يكن أولى به أن يقيس قدراته، ويحسب خطواته قبل أن يجد نفسه وراء القضبان؟ ألم يكن الأحرى به أن يصعد سلم النجاح إذا كان راغباً في ذلك، خطوة وراء خطوة ولا يقفز فوق مستواه قفزات فلكية تزيد من احتمالات وقوعه آلاف المرات عن احتمال نجاحه؟
ما نخشاه حقاً هو أن تكون مثل تلك الثقافة قد تسربت إلى نفوس البعض، فما المانع من المغامرة بالقروض والديون ما دامت النهاية سجناً لأشهر ثم تحل القضية على يد فاعل خير!
أرجو ألا يفهم من الكلام تقييد لأصحاب المعروف أن يمدوا أياديهم لمن يقتنعون بحاجته الماسة، أو يقدرون الظروف التي دفعت به إلى ما هو عليه من الضائقة المالية، فهنا بلا شك لا بد من المسارعة لإعانة ذي الحاجة، وإنقاذه من مأساته والرحمة بأسرته التي تنتظر خلف سجون الحياة ومعاناتها مثلما يعاني هو بل أكثر أحياناً، ولكن الأمر بحاجة إلى وقفة للنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، وهي القائمة على التساهل في المغامرات المالية غير المدروسة، والتي نظن أنها أخطر على المجتمع من وجود بعض الأفراد خلف القضبان.
ثم هناك قضية لطالما تكلمنا فيها تتصل بموضوعنا، ولا نملّ من التأكيد عليها حتى يتم وضع ضوابط لها، وهي أبواب البنوك المشرعة التي أصبحت كالثقوب السوداء تبتلع كل ما حولها، ولا تبالي بالمقترضين وبأحوالهم، فتمنح لمن شاء ما شاء من الأموال بأبسط الضمانات، وبإغراءات كثيرة، حتى يجد نفسه وجهاً لوجه مع مراكز الشرطة والسجون.
فمتى تلزم البنوك بأن لا تمنح القروض الشخصية أو بطاقات الائتمان إلا إذا اطمأنت لمستقبل الدفع، لا أن تغامر مراهنة على خوف المعسرين من أبواب السجون المشرعة حال العجز عن السداد، دون أن يسأل أحد البنك لماذا منحت صاحب الدخل المحدود هذا مبلغاً يفوق قدراته والتزاماته؟!
ومن جهة أخرى، لماذا لا يعقل الشباب ظروف الواقع الذي نعيشه؟ ولماذا تسحرهم نشوة الثراء السريع، ولا يجدون من يرسم لهم خطواتهم حتى لا يكون مصيرهم إلى المجهول؟ وعندها قد لا تجد بين الناس من يتذكرك، وتبقى تجتر مأساتك وتخسر نفسك وأسرتك.
ليس عيباً أن ترقى سلم النجاح في الحياة درجة تلو أخرى، لكن العيب أن تتأبى على الدرج المتواضع لتتسلق نحو القمم الموهومة، بحبال المغامرة غير محسوبة العواقب، وإذا نجحت صدفة مع أحدهم، فقد ملئت الحياة بقصص النادمين.