تتمزق إنجلترا أشلاء، بعد أن كانت في يوم من الأيام موطناً للتمدن والنظام، على خلفية أعمال الشغب والنهب التي بدأتها أقلية من الشبان، ثم بات يثيرها الشبان البريطانيون بشكل عام. وفي الصيف الجاري، يشهد عدد من المدن الأميركية ما يسمى "فلاش الغوغاء"، ومعظمهم من الشبان الأميركيين السود، الذين يعمدون إلى الاحتشاد في أوقات يتم تحديدها مسبقاً، لغرض نهب المتاجر ومهاجمة أولئك الذين لا ينتمون إلى جماعتهم العرقية أو الطبقية، بشكل عشوائي.

وقد أثارت الفوضى جدلاً قديماً في الغرب؛ هل يقوم هؤلاء الشبان الأميركيون والبريطانيون من أصحاب العقول الإجرامية، باللجوء إلى العنف احتجاجاً على عدم المساواة والفقر وانعدام الفرص؟ فاليسار، بالطبع، غالباً ما يلقي اللوم على سياسة التقشف المتبعة في ما يتعلق بأوضاع الرعاية الاجتماعية المتزعزعة، وعلى ارتفاع معدلات البطالة.

 وبعبارة أخرى؛ يفترض للخراب والفوضى أن يمثلا تنبيهاً، في فترة من العجز المادي، يدعو إلى عدم خفض المستحقات، وفرض الضرائب بدلاً من ذلك على الأثرياء، بهدف توزيع قدر أكبر من أرباحهم على المحرومين.

أما اليمين فيقول إن المشكلة لا تكمن في قلة الإعانات الحكومية، بل في زيادتها عن الحد اللازم بكثير. إن البدلات المتنامية التي قدمتها الحكومة خلال نصف القرن الماضي، والتي لا يمكن تحملها في الوقت الراهن، أضعفت مظاهر الاعتماد على الذات والمبادرة الشخصية.

والنتيجة المنطقية لذلك هي نشوء طبقة دنيا اعتمادية، تمتد على مدى أجيال، وتزداد تعاسة وسخطاً بزيادة العطاء الذي تتلقاه من الآخرين. ويملك لصوص اليوم أكثر من مجرد قوتهم اليومي، لذا فهم يستهدفون متاجر الأحذية الرياضية والإلكترونيات، للتمتع بمزايا الحياة التي لا يستطيعون أو لا يودون الحصول عليها بعرق جبينهم. ونحن قد نتفق على الأقل، على بعض الدوافع وراء أعمال العنف.

أولاً، فقد نجم كم كبير من الضجة عن النظر إلى الفقر من منظور نسبي، وليس مطلقاً، إذ أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هو 47 ألف دولار في الولايات المتحدة، و35 ألف دولار في بريطانيا. وفي المقابل، فإن المتظاهرين في مصر، على سبيل المثال، حيث لا يتجاوز معدل الناتج المحلي الإجمالي نحو 6 آلاف دولار، خرجوا للتعبير عن آرائهم بدافع الخوف من الجوع أو القتل.

وليس لعدم تمكنهم من اقتناء "بلاك بيري" جديد أو زوج من الأحذية الرياضية الفاخرة. إن الشكوى الجديدة التي يطلقها مثيرو الشغب في الغرب، تتمثل في عدم المساواة، لا الفقر. فعندما يلقي الرئيس الأميركي أوباما محاضرات حول الأثرياء من أصحاب شركات الطائرات الخاصة، فهو لا يعني أن الجشع يحول دون ركوب الطبقات الدنيا على متن طائرات تجارية بأسعار معقولة.

ولكن الفرق الوحيد هو أن القلة المختارة التي تتمكن من ركوب الطائرات الفخمة، بمن فيهم الرئيس نفسه، تصل إلى وجهتها بقدر أكبر بقليل من السرعة والسهولة. إن عدم القدرة على امتلاك ما يمتلكه الأغنياء، هو سبب تذمر جيلنا، بدلاً من نقص العناصر الأساسية كالمأوى والغذاء والكهرباء.

ثانياً، إن الأثرياء لا يشكلون مثالاً حياً على أن العمل الجاد والانضباط يؤديان إلى النجاح والعيش الرغيد. فكلما سمعنا في نشرات الأخبار عن المآسي النفسية التي يعاني منها الأثرياء، بمن فيهم ليندسي لوهان وباريس هيلتون، أو بعض أعضاء العائلة المالكة، نكتشف حالة الملل والفساد السائدة بين أفراد النخبة المدللة.

وعلاوة على ذلك، فإن سلوك جون إدواردز، إليوت سبيتزر، دومينيك ستروس كان، وأرنولد شوارزنيغر، لا يذكرنا بأن السلوك الحسن الذي تلتزم به نخبة من الشخصيات العامة، هو النتيجة المنطقية للثروة والإشادة التي يحظون بها، بل يذكرنا بأن الثروة والسلطة في يومنا الحالي لا تجلبان سوى الفجور والانحطاط.

ثالثاً، قد تكون الشيوعية تلاشت، غير أن المادية المستوحاة من الماركسية لا تزال تقيس مستوى المعيشة وفقاً لقدرة المرء في الحصول على "الأشياء". ويمكننا المجادلة حول ما إذا كان أولئك الذين ينهبون متجراً لأجهزة الكمبيوتر، مدللون أو مضطهدون.

ولكن حتى أي إنسان عادي في ملابس بالية، يستطيع إيجاد مختلف أنواع الإثراء الروحي في أحد المتاحف أو الكتب الجيدة، دون أي تكلفة تذكر. هل نسينا أن الفقر في مجتمعنا المتقدم والغني، هو في معظم الأحيان فقر العقل، ولا ينجم بالضرورة عن قسوة العالم المادي؟

وأخيراً، هناك تشديد أكبر من اللازم على دور الحكومة، باعتبارها الأم الحنون التي تعمل على حل المشكلات دائماً، إذ أن السبب وراء غنى الحضارة الغربية وتحررها، لا يقتصر على رأسمالية السوق الحرة والحكومات الدستورية ذات التمويل السخي فحسب.

بل يشمل مساهمة الأسرة والمجتمع والكنيسة في تذكير الفرد الحر الذي يعيش في مجتمع ميسور، بأنه لا ينبغي له القيام دائماً بما يسمح له قانونياً. فعندما تدمر الضوابط كافة، ويصبح الخجل عادة قديمة يسخر منها، ينتهي بنا المطاف إلى شهوات لا يمكن السيطرة عليها، وهو ما تشهده إنجلترا حالياً.

ولا يعد شبابنا التقني الثائر محروماً فقط لأن آباءهم قد عرضوا مساعداتهم المستقبلية للخطر، ولكن لأنهم لم يتعلموا معنى الثروة الحقيقية، ولا الطريقة الصحيحة للحصول عليها واستغلالها.