رغم كل ما تشهده الساحة الداخلية في مصر من صراعات وتناقضات في ظل ثورة لم تحسم أمرها، وفترة انتقالية فيها من علامات القلق أكثر مما فيها من إرهاصات الاستقرار.. رغم ذلك كله فإن الضمير الوطني في مصر يظل مشدوداً بقوة وبكل اليقظة والحساسية نحو ما يجري في شبة جزيرة سيناء وما يفرضه من تحديات خطيرة في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها مصر والتي تمر بها المنطقة كلها!
مع قيام الثورة وسقوط النظام السابق، كان على السلطة المؤقتة في مصر أن تتعامل بسرعة مع قضايا الجوار العربي في ظل الظروف الجديدة. وبسرعة وحيوية تميز بها أداء الخارجية المصرية في أعقاب الثورة تم فتح صفحة جديدة في العلاقات مع السودان وتم استيعاب الموقف من استحقاق استقلال الجنوب، وعلى الجانب الآخر حدث اختراق في الملف الفلسطيني سواء في قضية المصالحة الوطنية، أو في تجاوز الأزمة مع حكومة حماس في غزة وفتح المعابر. وعندما فاجأت ثورة الشعب الليبي الجميع، تعاملت القاهرة بإيجابية محكومة بوجود نصف مليون مصري تحت رحمة الأحداث هناك.
وربما كان الإخوة في «حماس» يشكون خلال الأسابيع الماضية من بطء الإجراءات وكثرة الضوابط على الحركة في المعابر، ولكن ما جرى في الأيام الماضية يفسر بعض هذه التشدد، ويفتح الباب أمام تطورات مهمة في الموقف في سيناء وعلى حدود مصر.
لقد كانت سيناء في السنوات القليلة الماضية مسرحاً لعدة عمليات إرهابية، لكنها كانت تستهدف المناطق السياحية وكان يقال في تفسيرها أنها موجهة ضد السياحة الإسرائيلية بالذات. كما شهدت سيناء في الفترة الأخيرة من حكم مبارك توتراً شديداً في العلاقات بين قطاع من السكان وبين أجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية. وكانت هناك اتهامات للشرطة بتجاوزات قانونية وباعتقالات غير مبررة، بينما كانت الشرطة تؤكد أن القضايا تتعلق بتهريب مخدرات وأسلحة، وبتهديدات للأمن القومي.
عقب الثورة بدا ان الموقف يسير في طريق التحسن. تم الإفراج عن المعتقلين، وبدأ الحديث عن معالجة الإهمال والتقصير في تعمير سيناء، وكان هناك تصور أن فتح المعابر سيؤدي إلى شيء من الرواج التجاري يستفيد منه الجانبان. ثم جاءت أحداث الأيام الماضية لتكشف أن الموقف أخطر بكثير مما كان يعتقد، وأن التطورات هناك تفتح الباب أمام الكثير من الاحتمالات بالغة الخطورة والتأثير.
في 29 يوليو وبينما كانت الجماعات السلفية تحتشد في ميدان التحرير وتستعرض قوتها في قلب القاهرة. كان هناك استعراض آخر للقوة يبدو كالكابوس في مدينة العريش، حيث انطلقت قوافل من السيارات تحمل ملثمين يلبسون القمصان السوداء ويرفعون الرايات السوداء، تطلق الرصاص وتحاصر مقر الشرطة وتخوض معركة دامية على مدى ساعات.
وبينما كانت القيادة العسكرية في القاهرة تعلن عن إرسال دعم عاجل لمواجهة الموقف ومطاردة المجرمين، وبغض النظر عن أحاديث إسرائيلية مغرضة عن «سيناء خارج السيطرة» وأحاديث أخرى من مصادر مجهولة تهدد بالتصعيد من أجل إقامة «إمارة إسلامية» في سيناء.. فإن ما حدث كان لابد ان يفرض نفسه بقوة على «أجندة» العمل الوطني، وينبه الجميع للخطر الذي لابد من مواجهته بكل حسم وبأقصى سرعة.
في المشهد الآن تتقاطع مخططات إسرائيلية قديمة ومعلنة تستهدف سيناء وتزعم أنها ـ أو بعضها ـ يمكن أن تكون حلاً للقضية الفلسطينية (!!) مع أحاديث عن منظمات إرهابية تحاول التوطن في هذه البقعة الاستراتيجية، مع واقع يشهد انتشاراً لجماعات سلفية (تقول إنها لا تستخدم العنف!!) ويشهد انحساراً لأجهزة الشرطة وخللاً في منظومة التنمية ومنظومة الأمن في وقت واحد، ومحاولة لاستغلال فترة الارتباك التي تمر بها مصر لفرض أمر واقع جديد.. في سيناء كما في قلب القاهرة!!
وفي هذا الإطار ينبغي النظر إلى ما كشفت عنه القوات المسلحة قبل أيام (في ذكري حرب العاشر من رمضان) عن مشروع لزراعة 400 ألف فدان واستيعاب مليون مواطن في سيناء، لكن الأهم والأخطر هو بدء الحديث في دوائر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يتولى مسؤولية الحكم الآن عن ضرورة تعديل أحكام الملحق العسكري لاتفاقية السلام مع إسرائيل لمعالجة الخلل الأمني الذي كشفت عنه الأحداث الأخيرة!
إن أحكام الاتفاقية تنص على أن تظل المنطقة المسماة بالمنطقة (ج) المتاخمة للحدود مع إسرائيل خالية من الفرق العسكرية ليتمركز فيها فقط 750 من الشرطة المدنية.
وقد رفضت إسرائيل (والولايات المتحدة الأميركية) عدة مطالبات مصرية سابقة بتمركز قوات عسكرية في هذه المنطقة لمواجهة ما ظهر من تحديات. ومع ان إسرائيل تقول إن مصر تجاوزت بالفعل نصوص الاتفاق، وأن الموجودين في هذا المنطقة هم من جنود الجيش وليسوا من الشرطة المدنية.
كما ان الحظر الذي يفرضه الاتفاق على التسليح والمعدات لم يتم احترامه، لكن الأمر ــ بالنسبة للقاهرة ــ يتعدى ذلك بكثير، والقيادة العسكرية لن تقبل وهي تتولى الحكم ان تتبجح إسرائيل بالحديث عن فقد السيطرة الأمنية المصرية على سيناء. صحيح أن القيادة العسكرية المصرية لا تريد أن تنجر لصدام قد تكون إسرائيل تخطط له، ولكنها أيضاً لن تقبل ان تظل أيديها مغلولة عن مواجهة خطر بهذا الحجم على أمن مصر القومي.
ويبقى السؤال: هل يكون الثمن المطلوب هو استمرار تدفق الغاز.. أم يكون قطع الغاز هو بداية السير في الطريق الآخر؟!