حين وضعت الإمارات أولى خطواتها على سلم النهضة الحضارية، أدرك المؤسسون أن للحضارة وجهين يصدق كل واحد منهما الآخر، ولا غنى عنهما إذا أرادت الأمم البقاء والظهور والحضور في المستقبل. هذان الوجهان أحدهما مادي ملموس تراه الأعين، والآخر معنوي تدركه النفوس.

فكانت النهضة العمرانية منطلقة تقلب الصحراء إلى جنان وناطحات سحاب وبنية تحتية تواكب أكبر الدول العالمية حضارة، وكان إلى جانب ذلك ومعه على الدوام، حضور قانوني ينظم حياة المجتمع الحضاري الجديد، ويقدم الجرعات الإنسانية التي تضمن رسوخه والتي لا تقوم إلا على العدل.

والعدل أساس العمران كما هو معروف، وهي مسلّمة إنسانية مطلقة، تدركها المجتمعات على اختلافها، وينطق بها التاريخ ويشهد بها الواقع، ولن تغني المجتمعات أبنيتها السامقة ما دامت فرص العدالة فيها قاصرة، وقد حرصت دولة الإمارات على ترسيخ العدالة في مسيرتها النهضوية الحضارية المستمرة.

فقبل أيام حين التقى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بلفيف من المحامين والمحاميات من أبناء وبنات الوطن، كانت الرسالة واضحة ثابتة لا تقبل الجدل ولا تحتمل التراخي، حين أكد سموه على ضرورة ترسيخ العدالة بين الناس، لأنها أساس الاستقرار في المجتمع، إذ من دون العدل والعدالة لا يمكن للعلاقات الاجتماعية أن تستقيم، ولا يمكن للقانون أن يسود ولا للأمن أن يستتب.

وفي موقف سابق لسموه، ولكن مع القضاة هذه المرة، كانت الرسالة أكثر تحديداً وتشديداً وحزماً، لأن سموه يدرك عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم كقضاة، ولذلك وجّههم بأن "يكونوا مثالاً للقاضي النزيه، الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن يضعوا نصب أعينهم مخافة الله عند إصدار أحكامهم في القضايا المتنازع عليها بين الناس، وأن يتذكروا أن لا سلطان عليهم إلا سلطان الشرف والضمير والقانون".

هي رسائل لامعة واضحة، تضع القانون والقضاء في المكان المناسب في أولويات المجتمع، فلا سلطان على الحق ما دام يستند إلى ثوابت القانون والشرف والضمير، ولا نشك أبداً أن قضاءنا بجميع كوادره العاملة فيه، قد أدرك هذه الإشارات فكانت له نبراساً، مما أهّل القضاء في الإمارات عموماً ودبي خصوصاً لأن يكون من أكفأ مؤسسات القضاء في العالم.

والحقيقة أن استقلال القضاء صمام أمان للمجتمع ككل، فلا يظن أحد أن اختراقه لهيبة القضاء ومحاولة النيل منه أو استلال أحكام تجر المنفعة لساحته الشخصية بأساليب ملتوية هو مكسب حقيقي، لأنه بلا شك وبال على المجتمع تظهر آثاره عاجلاً أو آجلاً.

وذلك أن المرء إذا أمن أن حقوقه مصانة في ضوء قوانين واضحة وقضاء مستقل، سيعمل بإخلاص وسيفي بواجباته ويتجنب التقصير والهفوات، وهو نضج للمجتمع ورقي، في حين لو وقع في نفسه سلبية القضاء وتهدم جداره بفجوات مصلحية يعرف طريقها أصحاب المصالح والشأن، فلن يطمئن لصدق عمله، وسيضع نفسه في حلقة مفرغة من عدم الالتزام واللا نزاهة، تبدأ من القضاء ولا تنتهي بأصغر أفراد المجتمع.

وقد أكدت دراسة للبنك الدولي، أن العديد من الشركات في بلدان مختلفة أعلنت أنها مستعدة لزيادة استثماراتها لو كانت ثقتها في محاكم بلدانها أكبر، كما أن مؤسسات أخرى أكدت أنها ليست مستعدة للتحول إلى شركات تمويل محلية أقل أسعارا، لأنها غير مطمئنة إلى كفاءة النظام القضائي وقدرته على تنفيذ الاتفاقات المعقودة، وبعض الشركات التي لديها ثقة في كفاءة المحاكم، هي عادة أكثر استعداداً لتوفير التمويل للشركات المحلية.

هذه الدراسة العالمية تضعنا أمام أحد أوجه دوافع الإقبال على الاستثمار في الإمارات، وهو نزاهة القضاء الذي يجعل حقوق الناس فوق كل اعتبار، ويضمن للجميع بيئة استثمارية لا تهضم فيها الحقوق ولا تضيع في دهاليز المحاكم والمحسوبيات.

ولذلك كان القضاء في دبي في مقدمة المؤسسات القضائية في المنطقة من حيث الكفاءة والاستقلالية، حتى إنه تختفي القضايا المؤجلة في محاكم دبي لسرعة البت فيها والفصل في شأنها، ضمن غطاء قانوني وحصانة قضائية ترتقي بعمل المحاكم.

ومع ذلك فإن على القضاة أن يستفيدوا من هذه البيئة الصحية لعملهم، فلا يتركوا مجالاً لهفوات ضعاف النفوس يتسللوا من خلالها، لأنهم سيكونون عندها في دائرة المسؤولية عن زعزعة استقرار المجتمع، ولن تكون المسألة حقاً تم هضمه لأحد المتخاصمين لصالح آخر، بل هي بداية استشراء الفساد الذي يبدأ بلا شك من القضاء، ولا يقف حتى يأتي على جميع أركان المجتمع.