في مقالنا السابق أوضحنا أن دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، حدد شكل الدولة منذ قيامها. وقد صدر هذا الدستور بعد موافقة حكام الإمارات مجتمعين، بدافع الرغبة في حماية المجتمع والدفاع عن مصالح المواطنين، كما جاء في ديباجته.. وهكذا نهضت دولتنا على ركائز وثوابت راسخة، دولة كاملة السيادة وذات حضور دولي، وتشكل إمارات الدولة وحدة اقتصادية وسياسية متناغمة.

تناولنا باختصار غير مخل، المهام الأساسية للسلطات الثلاث؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية.. ولاعتبارات موضوعية مرتبطة بتشكيل اللجنة الوطنية للانتخابات، برزت على سطح الواقع مستجدات جاءت كنتاج لحركة التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي اكتنف كافة جوانب الحياة.. هذا يعني أن مجتمع الإمارات يمر بمرحلة مفصلية مهمة، كانت القيادة الرشيدة أعدت لها العدة في سياق انتقال تدريجي سلس، يمهد لنقلة وتحول سياسي يترافق مع راية الإصلاح، التي رفعتها القيادة وبشرت بها المواطنين.

وهنا لا بد من التأكيد على أن الدولة شرعت في تبني رؤى إصلاحية قبل سنوات، ومن ثم لا توجد علاقة بين ما جرى ويجري في بعض الدول العربية من مطالبات سياسية، وبين ما ينتظم في دولة الإمارات من حراك سياسي وتنموي، في معرض الإشارة إلى السلطة التشريعية، وهي الجهة التي تنتهي إليها نتائج الانتخابات المقبلة..

يتعين بالضرورة تسليط الضوء على الجهاز الاستشاري للسلطة التشريعية، ونعني به المجلس الوطني الاتحادي، والذي نص دستور الدولة على أسس تشكيله واختصاصاته وامتيازات أعضائه وغيرها من المسؤوليات والضوابط، والمعروف أن المجلس الوطني الاتحادي مر بعدة مراحل تطورية.

بدأ المجلس، بنص الدستور، بأربعين 40 عضواً يمثلون الإمارات الأعضاء في دولة الاتحاد، يتم اختيارهم من قبل قيادة الإمارة التي ينتمون إليها، ليمثلوها في المجلس..

وحدد الدستور عندئذٍ مدة العضوية بسنتين، كما حدد أسس توزيع مقاعد المجلس في بداية عهده، فحدد لكل من أبوظبي ودبي 8 مقاعد، وللشارقة ورأس الخيمة 6 مقاعد لكل منهما، ولكل إمارة من الإمارات الباقية 4 مقاعد.

وكما هو معلوم، للمجلس الوطني كجهاز رقابي اختصاصات عديدة، لعل من أهمها إجازة مسودات القوانين والتشريعات، إذ له حق إجازتها أو تعديلها أو رفضها، كما ينظر في الميزانية العامة لدولة الاتحاد..

وترفع أجهزة الحكومة للمجلس بين حين وآخر، المعاهدات والاتفاقيات الدولية لإقرارها.ولا شك أن المجلس الوطني منذ تشكيله مع قيام دولة الاتحاد عام 1971، لعب أدواراً مهمة في التاريخ السياسي للإمارات، وها هي رياح الإصلاح السياسي تدفع نحو قيام انتخابات لعضوية مجلس جديد.. جديد في كل شيء، لأن دور العضو المنتخب من قواعد جماهيرية محلية، يعني أن العضو المنتخب يمثل سكان وأهالي منطقة معينة، ليعبر عن تطلعاتهم ورغباتهم ومطالبهم..

ولعل من أهمها جودة خدمات الصحة والتعليم والإسكان وإصحاح البيئة وغيرها.. ومن ثم فإن العضو المنتخب لا بد أن يتحمل بالضرورة مسؤولية اجتماعية لا سبيل للفكاك منها، ولهذا يتنافس الأعضاء الذين يفوزون في الانتخابات نظير ترشيحهم ونيلهم ثقة الأهالي من السكان المواطنين، بينما أثبتت التجارب أن بعض الأعضاء المعينين لا يتحملون إلا مسؤولية أنفسهم، لأنهم لا يعتمدون على مرجعية شعبية، ولا يخشون مساءلة الجماهير..

في تقديري، لا بد لنا من وقفة مراجعة لتجارب المجالس الوطنية الاتحادية السابقة، وتقييمها تقييماً موضوعياً للاستفادة منها وبلادنا تتجه لحياة نيابية جديدة.. وقد يكون مفيداً تشكيل لجنة تبحث في أضابير مضابط جلسات المجالس السابقة، ومراجعة ما تم من قرارات لم تر النور بعد، رغم إجازتها. والأهم من ذلك إعادة النظر في مسميات لجان المجلس، وزيادة عددها، ليتعادل مع الزيادة في عدد الأعضاء الجدد، سواء المنتخبون أو المعينون، لأن كل المؤشرات تشير إلى أن الانتخابات المقبلة ستكون حامية الوطيس والمنافسة ستكون على أشدها..

والكرة ستكون في ملعب الناخبين، وليس في ملعب المرشحين، لأن الوعي السياسي لمواطن الإمارات تطور تطوراً ملحوظاً، وستكشف عنه الشهور القادمة، ولن ينال أصوات الفوز إلا من هو جدير بالثقة، لأن ما كان عليه حال بعض أعضاء المجالس القديمة الذين أكملوا دورة لم ينطقوا بحرف، بل هنالك من كانوا يغطون في سبات عميق أثناء جلسات المجلس، وغيرهم من المتغيبين عن حضور الجلسات بعذر أو من دونه قد انتهى...

نحن كمواطنين نتطلع إلى عضوية مدركة ومسؤولة.. عضوية جادة.. ولذا نريد أعضاء يعملون لصالح الوطن وليس لمصالحهم الذاتية، لأن الوطن فوق الجميع. كما أننا نريد أن نهدي الدول الأخرى تجربة برلمانية متفردة، تستلهم رؤى القيادة الرشيدة وتمضي بها للأمام.. تجربة تتبنى الوسطية كمنهج فكري يبعد بلادنا عن غلواء التطرف والمذهبية أو التبعية للآخر..

لذا على المواطن ألا ينتخب إلا من هو جدير بالثقة، دون أي اعتبارات فئوية أو قبلية.. نريد أعضاء أكفاء ذوي مؤهلات عالية وخبرة مميزة، سواء من النساء أو من الرجال.. أقول النساء، لأن نسبة النساء من هيئة الانتخابات ستصل إلى 46%، وهي نسبة غير مسبوقة ستدفع بالمرأة الإماراتية إلى مواقع صنع القرار، للدفاع عن حقوق شريحة مهمة في المجتمع. لذلك ستشهد تجربتنا البرلمانيه القادمة حضوراً نسوياً، أثق بأنه سيكون فاعلاً، لأن زمن العضوية الاسمية والشكلية للمرأة انتهى.. ومما لا شك فيه أن النساء المتميزات لا محالة قادمات لاحتلال مواقع متقدمة تحت قبة البرلمان القادم.. والأيام ستؤكد صحة ما نقول.