اليمين الاستئصالي في الغرب من أوكلاهوما إلى أوسلو

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يأت الاعتداء الإرهابي الأخير، الذي استهدف العاصمة النرويجية أوسلو وجزيرة قريبة منها، من فراغ ودون مقدمات، بل جاء في سياقات معلومة ومرصودة، مع تنامي المد المتطرف لليمين المسيحي الغربي، ودعواته الاستئصالية تجاه المهاجرين من مختلف بلدان العالم، الذين باتوا يشكلون نسبة معتبرة من سكان عدد من الدول الأوروبية مثل فرنسا، وألمانيا، والسويد، وهولندا..

وهذا المد اليميني المتطرف المشبع بنظريات متخلفة ومغرقة في عنصريتها، وقوامها أكذوبة «النقاء العرقي» إضافة لـ«اللوثات الفكرية» التي تغذيها، يتشكل بشكل رئيس من عنصر الشباب والشبيبة المنضوية في إطار تجمعات متطرفة، على شاكلة مجموعة «النازيين الجدد» ومجموعة «حليقي الرؤوس» الألمانيتين، واللتين تنشطان بشكل ملموس في عدد من المدن الألمانية.

وقد قامت كل منهما بممارسات عدوانية شنيعة، استهدفت أعداداً من المهاجرين الأتراك في ألمانيا، ومهاجرين من دول الشمال الإفريقي خلال السنوات القليلة الماضية. إن جزءاً أساسياً من فلسفة تلك المجموعات الشبابية، يقوم على «الإيمان التام» بـ«النقاء العرقي والجيني» للأوروبيين والغرب عموماً، وعلى معاداة الإسلام والمسلمين واعتبارهم عدواً تاريخياً وحضارياً، وعلى الإيمان بالقوة الممزوجة مع لغة الغطرسة، كسبيل وطريق لحل القضايا والأزمات التي تواجهها مجتمعاتهم، بما فيها الأزمات الاقتصادية وأزمات القيم الأخلاقية، في ظل السياسات التي تتخذها تلك البلدان تجاه قضايا وبؤر الصراع في العالم.

وقد زاد بعض الممارسات التي وقعت في بعض العواصم الأوروبية، من إشعال نزوات تلك المجموعات، ومنها ممارسات الرسام الدانمركي المعروف ورسومه المسيئة التي تناولت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهي ممارسات مست مشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم، ورفعت من منسوب الكراهية بين شعوب العالم، وكادت أن تقطع الطريق على دعوات الحوار بين الأديان على مستويات دولية مختلفة. وعليه، فإن النفخ في أبواق الحقد الأعمى والكراهية، وسيطرة خطاب الاستئصال على مجموعات من الشبيبة الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية، ونمو حضور أصحاب نظرية «النقاء الجيني العرقي»، أدت في ما أدت إليه لوقوع حوادث دموية غاية في القسوة.

وقد استهدفت الأبرياء؛ من أوكلاهوما جنوب الولايات المتحدة عام 1995، في الاعتداء الدموي الذي نفذه شاب أبيض من المليشيات المسيحية المتطرفة، الذي استهدف مبنى إدارياً في مدينة أوكلاهوما، في 19 إبريل/ نيسان 1995 حين فجر (تيموثي ماكفي) شاحنة صغيرة محشوة بالمتفجرات، عند أسفل مبنى ضخم للإدارة الفدرالية هو مبنى «مورا فدرال بيلدينغ»، الأمر الذي أدى إلى سقوط 168 قتيلاً وأكثر من 500 جريح، فيما دمر القسم الأكبر من المبنى.. وصولاً إلى أوسلو وجزيرة «أيتويا» النرويجية الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة.

فمفجر السيارة الملغمة في أوكلاهوما ينتمي لمجموعة من اليمين المسيحي المتطرف، تدعى مجموعة «ديفيد كوروش» في واكو في تكساس. وتشير المعطيات المختلفة، إلى أن أعداد مجموعات اليمين المسيحي المتطرفة في الغرب عموماً، تتفوق في عديدها على المجموعات الإسلامية المتطرفة، التي تكاد تكون محصورة بمجموعة تنظيم القاعدة وفروعه وتفرعاتها فقط، بينما زادت مجموعات اليمين المسيحي المتطرفة بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وزادت من عضويتها وأماكن نشاطها.

وتشير المعلومات، على سبيل المثال، إلى أن عدد المجموعات العنصرية الصغيرة من تيارات اليمين المسيحي المتطرفة، ازداد في الولايات المتحدة بأكثر من 60% منذ العام 2000، فارتفع من 602 مجموعة إلى أكثر من 1000 (نعم ألف) مجموعة العام الماضي، وهو رقم مرعب، وينم عن مدى تنامي وانتشار تلك المجموعات في الغرب والولايات المتحدة، خصوصاً بعد أن تم انتخاب رئيس أسود من أصول إفريقية لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، هو الرئيس باراك أوباما.

ويذكر أن حزب العمال النرويجي الذي استهدف الاعتداء معسكر شبيبته في جزيرة «أيتويا»، ورئيس الوزراء المنتمي إليه، يعتبر من أبرز الأحزاب النرويجية التي فازت في الانتخابات البرلمانية عام 2009، ممثلاً بـ64 نائباً من أصل 169 نائباً، ومن خلال فوزه بالانتخابات شكل حكومة ائتلافية مع حزب الوسط النرويجي الممثل بـ11 نائباً، وحزب اليسار الاشتراكي النرويجي ممثلا بـ11 نائباً أيضاً، كما حصل حزب التقدم اليميني على المرتبة الثانية ممثلاً بـ41 نائباً. كما يشار إلى أن حزب العمال النرويجي حزب ديمقراطي حقيقي، يؤيد ويدعم نضال الشعب العربي الفلسطيني من أجل حريته وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، وحق اللاجئين في العودة، وإلى جانبه حزب اليسار الاشتراكي الذي طرح ضرورة مقاطعة إسرائيل، وكذلك بعض الأحزاب النرويجية ذات التوجهات السياسية القريبة من الاعتدال.

إن دماء ضحايا تفجير أوسلو الإرهابي، تشكل صرخة عميقة وقوية أمام العالم بأسره، للاتحاد في وجه الإرهاب العالمي الذي لا دين له ولا ملة له ولا جغرافيا، ولا يعرف ضوابط الأخلاق الإنسانية.

فالإرهاب المنظم الذي استهدف ويستهدف الأبرياء في فلسطين على سبيل المثال، هو ذاته الإرهاب الذي يعاد إنتاجه في أكثر من مكان على ظهر المعمورة، وإن كان على يد أفراد أو مجموعات أو إطارات صغيرة تنتمي لهذه الجهة أو تلك. إن تفجيرات أوسلو، تشكل مدخلاً مناسباً لإعادة تقديم تعريف حقيقي للإرهاب وجماعاته، من دول ومن منظومات سياسية ومن عصابات تعمل تحت يافطات معينة. فتعريف الإرهاب وتشخيصه على المستوى الدولي، مهمة عاجلة وتكتسب أهمية كبرى، حتى يمكن فصل الخيط الأبيض من الأسود، وإيضاح الفارق الجلي بين العمل المقاوم المشروع كما هو في حال الشعب الفلسطيني، وبين العمل الإرهابي الذي تمارسه «دول» مثل إسرائيل، أو تمارسه مجموعات وعصابات متطرفة كمجموعات اليمين المسيحي المتطرفة، في دول غرب أوروبا والولايات المتحدة.

 

 

طباعة Email