تستحق الإمارات الثناء العالمي الكبير على خطواتها نحو أمن المجتمعات، ما دامت تضع نصب عينيها الخير للجميع وإبعاد الضرر عن أبناء المجتمع، في استراتيجية إنسانية سامقة المبادئ، تقدر الإنسان بوصفه إنساناً له الحق في الحياة كما تليق به الحياة، وليست أية حياة، وأن ينشأ في حضن الوطن الدافئ، بعيداً عن شراك الأذى الذي يكمن في الزوايا المظلمة ويعشش في النفوس المريضة، الباحثة عن الثراء ولو على أنقاض الإنسان..
قبل أيام وصلت وزارة الداخلية إشادة أميركية بجهود الإمارات في مكافحة المخدرات، والتقدير الكبير لاستراتيجيتها في منع انتشار الآفة، وتكثيف الجهود وتعاضدها في قطع الأوكسجين عن المروجين ومحاصرتهم حتى لا يجدوا لهم حياة في بيع الموت للآخرين، وقبل هذه الإشادة الأميركية بأشهر قليلة كانت إشادة مثلها، ولكن أوروبية هذه المرة من ألمانيا حملت التقدير ذاته، ولا تخفى المكانة العربية والإقليمية التي تحوزها الإمارات في هذا الصعيد، بما لا تخطئه المقاييس على شتى الصعد.
ونعلم أن مثل هذه التقديرات ليست هي النجاح، لأنها لم تكن هي المقصودة، بل هي بلا شك علامة على النجاح وإثمار الجهود التي دأبت الإمارات على بذلها، عبر الحرص والمتابعة والملاحقة والتوعية والتربية والتنشئة والتأهيل والمعالجة، وتجفيف المنابع الخاطئة لمثل هذه الممارسات، حتى بلغت الذروة التي استحقت عليها التقدير العالمي.
فالإمارات بذلت ولا تزال تبذل الكثير من الجهود لجعل آفة المخدرات في الحجم الحقيقي لها، فلا تهاون معها ما دامت تلاحق وقود المجتمع المتمثل في الشباب، وكانت استراتيجية الإمارات الناجعة، حسب قراءة واقع الجهود المبذولة، مستندة إلى خمس ركائز..
أولى هذه الركائز وأهمها على الإطلاق، تتجلى في حرص واهتمام قيادتنا العليا بضرورة مكافحة المخدرات وحماية المجتمع منها، وتعزيز الجهود الرامية لمكافحتها والوقاية منها، وهو الإطار الحاني الذي يترجم الاهتمام بأبناء الوطن والغيرة على شبابه، ليبقوا كما تريدهم القيادة دعائم هذا الوطن وأساسه المتين، القادر على حمل مشعل المستقبل والحفاظ على المكتسبات، وإكمال مسيرة الحضارة والنهضة.
وثانية هذه الركائز تتمثل بتكثيف برامج التوعية وسحبها على مدار العام من حيث الزمن، وعلى مدار الوطن من حيث المكان، وعلى مدار الأعمار من حيث الفئات المستهدفة صغاراً وشباباً، لتصل إلى وضع الآفة في بؤرة الاهتمام المجتمعي، وهي خطوة بلا شك من أهم الخطوات الرافدة لمكافحة المخدرات، والتي تقوم على مبدأ رفع المناعة المجتمعية لتقف الشرائح المتوقع استهدافها في وجه الاصطياد السهل، ولا تكون لقمة سائغة في أفواه الباحثين عن تحطيمهم.
والركيزة الثالثة توجهت نحو المصادر التي تحاول النيل من المجتمع، فتمت مطاردتهم ومحاصرتهم وتشديد العقوبة عليهم، لتجفيف منابع المرض، والتقليل من تعريض الشباب لأمثال ضعاف النفوس هؤلاء، وهي خطوة ضرورية في أولويات المجابهة النصوح، التي تسعى بصدق لوضع حد لمرض لا يجادل أحد في أنه أخطر أمراض المجتمع على الإطلاق، ومفتاح الفساد الأسري والإنساني عامة.
أما الخطوة الرابعة في استراتيجية الإمارات في مكافحة المخدرات، كما نقرأها، والتي أعطتها الاهتمام الأوفر لتكون مكملة لما سبق، فكانت في إعادة تأهيل من وقع يوماً في براثن الآفة، فتعاملت معه على أنه مريض وليس مدمناً، عبر برامج تأهيل سرية الإجراءات، دقيقة المواصفات، عالية النتائج، لتضمن إخراج الطيب النافع ممن زلّت به القدم يوماً في حفر المخدرات، ورعاية المدمنين الذين يتم علاجهم في مراكز رعاية الإدمان المزودة بأحدث الأجهزة الطبية والعلاجية، وبإشراف أطباء مؤهلين على أعلى مستوى من الكفاءة والعلم، لإعادة مرضى الإدمان إلى المجتمع، إضافة إلى متابعة حياتهم بعد العلاج، لضمان عدم عودتهم للمخدرات مرة أخرى.
وآخر هذه الاستراتيجيات نابع من النظرة الحقيقية لهذه الآفة، على أنها آفة عالمية لا يجادل في ذلك أحد، عابرة للحدود كالنار في الهشيم، ولن تستطيع دولة مهما أوتيت من دقة وقوة، أن تقف في وجهها منفردة لأنها كالطوفان الجارف. ولذلك حرصت الإمارات على وضع فكرة التعاون المشترك مع أجهزة المكافحة الإقليمية والدولية، على جدول أساسيات العمل لمكافحة المخدرات، للحدّ من انتشار هذه المواد المدمرة للصحة والعقل، فسارعت إلى المشاركة العالمية والإقليمية بكل ما من شأنه تعزيز الجدار الحصين في وجه المرض الاجتماعي الخطير، وبادرت إلى تقديم خبرتها في ذلك والاستفادة من خبرات الآخرين، حتى تصل لما يضمن أفضل النتائج.
هذا الإخلاص في معالجة الآفة، أثمر الإشادة العالمية بجهود الإمارات في مكافحة المخدرات، لتغدو الإمارات مثالاً يحتذى في التقليل من شأن هذا الخطر والحد من انتشاره وسريانه.