في مباراة كرة قدم أقيمت مؤخراً في بسادينا في لوس أنجلوس، لم يكتف الجمهور المتحدر من أصول مكسيكية، بالتهليل للفريق المكسيكي الوطني ضد الفريق الأمريكي الوطني، فمثل هذا التعبير عن الحنين طبيعي ويمكن تفهمه لدى المهاجرين الجدد، لكنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك الحد، وراحوا يسخرون من اللاعبين الأميركيين وأيضاً من الرموز الأمريكية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي من الفريقين هو فريق الوطن بالنسبة لهؤلاء؟ هل الأحرى أن تُمتدح أميركا لقبولها بالأجانب الفقراء، أو أن تذمّ لأنها لم تمنحهم العفو؟ هل فكرة الولايات المتحدة هي أن يزدريها الأجانب المقيمون على أراضيها عندما يحلو لهم ذلك، وأن يشكروها بشكل انتهازي، كما يحدث حينما يشاهد المرء مباراة كرة قدم، أو يلتمس العلاج في غرفة الطوارئ في مستشفى أمريكي من إصابة بليغة تهدد حياته؟

هذه الحادثة لها دلالات كبيرة رغم تفاهتها، فهي تذكرنا بأن الهجرة غير الشرعية في القرن الحادي والعشرين، بدأت تتحول إلى مشروع لا ليبرالي.

دعونا نفكر بالخرافة السائدة، التي تصور المكسيك كـ"شريك" لأميركا. فباستثناء التعاون على مكافحة العنف وعصابات المخدرات، يبدو بشكل جلي جداً ان العلاقة بين البلدين غير سليمة. فكل عام يحاول أكثر من مليون مواطن مكسيكي العبور بشكل غير شرعي إلى الولايات المتحدة، بمساعدة وتحريض من المكسيك، بطريقة لا يمكن أن تسمح بها المكسيك نفسها على حدودها الجنوبية مع غواتيمالا.

وفي الواقع، لو نشرت غواتيمالا كتاباً هزلياً يوضح بالصور لمهاجريها الأميين كيفية الدخول بشكل غير شرعي إلى جارتها، كما فعلت المكسيك، لاستشاطت الأخيرة غضباً. إذن، هل يمكن اختزال المنطق السريالي للحكومة المكسيكية بشعار من قبيل "نحن نقدّر شعبنا جداً، لدرجة أننا نساعدهم على خرق القوانين للخروج من البلد"؟

في حكاية الهجرة القديمة التي شاعت في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، نقرأ كيف كان أرباب العمل الأميركيون البيض الأثرياء الجشعون، يستغلون العمال غير المهرة القادمين من المكسيك. لكن هذه المعادلة تغيرت إلى حد كبير الآن.

فالبيض، كما يسمون، لم يعودوا أغلبية في كاليفورنيا، حيث كثيراً ما تعترض الجاليات الكبيرة من الأميركيين الأفارقة والآسيويين، على المهاجرين غير الشرعيين القادمين من المكسيك، الذين يقفزون فوق طابور الهجرة الشرعية، أو يستغلون الخدمات الاجتماعية ويرفعون التكاليف على نحو يلحق الأذى بالمواطنين الأميركيين.

وحتى مفهوم "السكان البيض" و"اللاتينيين" بدأ يصبح ضبابياً في مجتمع اليوم، الذي يشيع فيه الزواج بين الأعراق المختلفة. فهل انتماء المرء إلى ربع أو نصف السلف العرقي يجعله فرداً من "الأقلية" أو "الأغلبية"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فحسب أي منطق وفي ظل أي ظروف؟ ولغايات التوظيف أو القبول الجامعي، هل ينبغي لنا تطبيق قواعد "نقاء الدم" التي كانت سائدة أيام الفيدرالية القديمة، من أجل قياس نقائنا العرقي؟

والفقر أيضاً لم يعد واضح المعالم. ففي اقتصاد السوق السوداء، حيث الأجور تدفع على الأغلب نقداً للتهرب من الضرائب، فإنه يمكن الحصول على التعويضات الاجتماعية بشكل أسهل من أي وقت مضى، ويتم إرسال أكثر من 20 مليار دولار سنوياً على شكل حوالات إلى المكسيك وحدها، وربما ضعف هذا المبلغ إلى أميركا اللاتينية ككل.

مرة أخرى، يثبت هذا المشهد كله أنه غير ليبرالي في الصميم، فهل الحكومة المكسيكية التي تتحدث اللغة الليبرالية لكنها تتصرف بشكل استغلالي، تشجع مواطنيها المغتربين على التوفير في أميركا، لإرسال حوالات مالية كبيرة إلى الأقارب الفقراء في الوطن، لكي لا تتحمل الحكومة المكسيكية هذه المسؤولية؟

والمهاجرون غير الشرعيين، بدورهم، هل يعتمدون بشكل متزايد على المساعدات التي تأتي من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لتغطية نفقات طعامهم وسكنهم وتعليم أبنائهم، لكي يستطيعوا ادخار العشرين مليار دولار التي يرسلونها إلى المسكيك؟

يبدو أنه لا نهاية للمفارقات والتشويش هذه الأيام. هل يعمل ناشطو قضايا الهجرة لمنح العفو للمهاجرين غير الشرعيين، على أساس الفلسفة القانونية والدعم القائم على المبادئ المتعلقة بسياسة فتح الحدود، أم لمجرد اشتراكهم مع الآخرين في الهوية العرقية ذاتها؟

لو وجد الآن 11 مليون شخص من شرق إفريقيا بشكل غير شرعي في أميركا، فهل كان ناشطو الهجرة اللاتينيون سيحشدون دعم اللوبيات اليوم للمطالبة بمنحهم العفو، وبتوفير خدمات الترجمة إلى اللغة السواحلية، وفتح الباب أمام مزيد من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من كينيا وأوغندا والصومال؟

هل كانوا سيسعون لتطبيق قواعد هجرة قانونية إلى الولايات المتحدة لا تعطي للعرق أي اعتبار، وتقوم فقط على أساس مستوى التعليم والمهارات لا على بلد المنشأ؟ كما أن وصول مئات الآلاف من أميركا اللاتينية سنوياً، معظمهم دون مهارات باللغة الإنجليزية ودون شهادة ثانوية ودون وضع قانوني، يمثل أيضاً تحدياً للأفكار القديمة عن كل شيء، بدءاً من تقييم معدلات الفقر في الولايات المتحدة إلى قوانين إنصاف الأقليات.

لماذا تعارض الإدارة الحالية سن قوانين جديدة لمكافحة الهجرة غير الشرعية في أريزونا وجورجيا، المصممة لتعزيز القانون الفيدرالي الحالي، بينما لا تعارض ما يسمى بتشريعات "مدن الملاذ" التي تتعمد في بعض البلديات انتهاك القانون الفيدرالي؟

إن التصور الليبرالي المثالي القديم عن مجتمع تنصهر فيه العرقيات المختلفة دون أي تمييز، ويطبق فيه القانون على الجميع بالطريقة نفسها، قد انحدر تدريجياً إلى أن وصل إلى ممارسة جديدة على مذهب ما بعد الحداثة، يطبق فيها العديد من القوانين بشكل انتقائي فقط، وبناء على اعتبارات سياسية وعرقية وعلى الشوفينية العرقية والأصل الوطني.

باختصار؛ إن ناشطي الهجرة الليبراليين بالأمس، تحولوا إلى لا ليبراليي اليوم.