المشكلة في مصر الآن أن من يملك القوة لا يريد أن يحكم، وأن من يريد الحكم لا يملك القدرة على الوصول إليه. غداة الثورة، ومع احتفالات النصر، كان المشهد غريباً، لقد سقط مبارك، وانهار جهاز الأمن الداخلي بالكامل، وتبين أن الحزب الحاكم لم يكن إلا أكذوبة كبرى، وتفرغ «لوبي» رجال الأعمال الذي كان شريكاً في سيناريو التوريث لمحاولة النجاة بما نهبه في حماية النظام السابق.

وفي المقابل كانت قوى الثورة تصحو من نشوة الانتصار، لتكتشف أن الثورة التي نجحت بفضل التحرك العفوي للملايين من الشعب الساخط على نظام أورثه الفقر والاستبداد، وبفضل انحياز الجيش في لحظة الحسم، هذه الثورة لم تكن تملك القيادة ولا الرؤية السياسية لما بعد تحقق الشعار الذي جمعها حول «إسقاط النظام».

وكان انتقال السلطة إلى قيادة الجيش هو الحل الوحيد لإنقاذ الموقف، لكن المشاكل بدأت تظهر تباعاً مع إعلان متكرر من القيادة العسكرية برغبتها في إنهاء الفترة الانتقالية بسرعة والعودة لثكناتها، ومع اشتعال الصراع بين القوى المدنية استعداداً لانتخابات قريبة تقرر مسار مصر في الفترة القادمة. لينتهي الأمر بانقسام هائل بين القوى الإسلامية من ناحية، وبين القوى المتمسكة بمدنية الدولة الرافضة لقيام دولة دينية تحت أي ظرف. ثم تتطور الأمور إلى أوضاع تهدد بصدام بين الجيش وقوى مدنية.

والغريب هنا أن الصدام كاد يقع بين الجيش وبعض قوى الثورة التي تشاركه الرؤية في أن تكون الدولة القادمة ديمقراطية ومدنية، بينما الصدام الأكثر احتمالاً هو بين الجيش والقوى الإسلامية التي تعلن مناصرتها للمجلس العسكري، ولكنها في نفس الوقت ترفض أي حديث عن وثيقة دستورية تطمئن الجميع وتؤكد على المبادئ التي تضمن مدنية الدولة، كما تهدد بالويل والثبور لكل من يجرؤ في التفكير مجرد التفكير في تأجيل الانتخابات البرلمانية.

كيف وصلت الأمور لهذا المنعطف الخطير، ولماذا التوقع بأن تستمر الصراعات بغير حسم لفترة يمكن أن تطول؟.. الإجابة قد تكون فيما أوردناه في بداية المقال :إن من يملك القوة لا يريد أن يحكم، وإن من يريد الحكم لا يملك القدرة على الوصول إليه.

يتحدث كثيرون عن سنوات طويلة من «حكم العسكر» في مصر، ولو كان ذلك صحيحاً لما كان هذا الارتباك في أداء المجلس العسكري بعد ان تولى السلطة في أعقاب الثورة، ولما كانت الرغبة في إنهاء الفترة الانتقالية بأسرع وقت رغم كل المحاذير.

والحقيقة أنه باستثناء الفترة الأولى من ثورة يوليو التي حكم فيها مجلس قيادة الثورة، فإن الصيغة التي سادت بعد ذلك هي صيغة كان فيها للجيش دور مؤثر في تأييد الحكم ومنح الشرعية، ولكنه لم يكن طرفاً في اللعبة السياسية. ومنذ إعلان الجمهورية في مصر رفض عبد الناصر الزج بالجيش في أتون الصراعات السياسية الداخلية.

وكانت عينه منذ البداية على التجربة في سوريا في ذلك الوقت (قبل الوحدة المصرية السورية) وما شهدته من انقلابات متعددة. ومن هنا كان القرار مع انتهاء الفترة الانتقالية بإلغاء مجلس قيادة الثورة، وبوضع أعضائه و كل الضباط الذين قادوا الثورة بين خيارين: الجيش أو العمل السياسي.

ولم يكن القرار سهلاً، ولم يخل الأمر بعد ذلك من صراعات نفوذ ومراكز قوى خاصة مع وجود عبد الحكيم عامر في قيادة الجيش. لكن الأمور سارت بعد ذلك في طريق إقرار سياسة إبعاد الجيش عن صراعات السياسة ووضع القرار في يد السلطة السياسية ممثلة في رئيس الدولة الذي يملك خلفية عسكرية ولكنه لا يمثل المؤسسة العسكرية.

ولهذا مرت قرارات إبعاد قيادات للجيش لها نفوذها وشعبيتها (مثل الشاذلي أيام السادات، وأبو غزالة أيام مبارك) دون عواقب تذكر داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما حاول الرئيس السابق تكراره في لحظات حكمه الأخيرة مع المشير طنطاوي ولكنه فشل لأن الأمور كانت تجاوزته وسيناريو التوريث أفقده كل نفوذ على المؤسسة العسكرية.

والمهم الآن أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على الحسم، ولكن قيادته تفضل الاحتفاظ بالوضع الذي كان للجيش: أن يكون له دور وكلمة في تقرير الأمور الأساسية، دون الدخول في التفاصيل، دون تولي مسئولية الحكم بصورة مباشرة، ودون تدخل في غابة السياسة الداخلية الذي لا يحسن السير فيها كما أثبتت تجربة الشهور الماضية.

على الجانب الآخر يبدو الوضع أكثر ارتباكا بين القوى المدنية التي انقسمت بين تيارين أساسيين: التيار الإسلامي، والتيار المؤيد للدولة المدنية بكل أطيافه اليسارية والليبرالية والقومية والعلمانية.

التيار الإسلامي يرغب بالطبع في الوصول إلى الحكم، وهو يتصور أن أمامه فرصة قد لا تتكرر لتحقيق ذلك، ولكن الأمر شديد التعقيد بالنسبة له. فبينما ترى الاتجاهات السلفية التي خرجت للنور مؤخراً لتمارس السياسة بلا تجربة حقيقية، أنه لا مجال للتراخي أمام فرصة لتطبيق الحكم الإسلامي وإعادة الخلافة، ترى جماعة «الإخوان المسلمون» الأكثر خبرة وتجربة التريث وعدم حرق المراحل، وهي تدرك الظروف الداخلية لا تسمح بذلك، كما أن نتائج الانتخابات قد تعطيها نسبة معقولة في البرلمان وربما تجعلها الحزب الأكبر ولكنها لن تعطيها الأغلبية.

كما ترى أن التحالف مع الجماعات السلفية غير مأمون والخلافات معها كبيرة، والنظام السابق كان يستغل ذلك لحصار الجماعة في الشارع. كما أن الظروف الإقليمية والدولية قد تعوق هذا الطموح الذي قد تكون نتيجته ــــ إذا تحقق تحت أي ظروف ـــ أن يعيد تجربة حماس في غزة مرة أخرى. ومن هنا يفضل الإخوان المسلمون البقاء بعيداً عن سلطة سيكون عليها التعامل مع ميراث ثقيل من المشاكل، وأن يكتفوا بترسيخ مكانتهم في الشارع وفي الحياة السياسية وفي البرلمان انتظاراً لنضج الظروف في مرحلة قادمة.

باقي التيارات السياسية ظروفها أسوأ، الأحزاب القديمة فقدت مكانتها بعد أن عانت طويلاً من حصار النظام السابق ثم سقط معظمها في شباكه بثمن بخس كان لا يتعدى في معظم الأحيان مقعداً واحداً في مجلس الشعب أو الشورى، والأحزاب الجديدة في معظمها مازالت بلا قواعد جماهيرية.

وكذلك الأمر بالنسبة لتنظيمات الشباب الذي كان طليقة للثورة وهو الآن يبحث عن مكان في الحياة السياسية، ويحتاج للوقت وللتنظيم وللتجربة في الشارع، ويعاني من انقسامات كبيرة، ومن اختراقات خطيرة، ومن افتقاد للرؤية التي تمكنه من الانتقال الآمن من ميادين التحرير إلى مراكز التأثير والعمل السياسي. وإلى أن يتبلور التيار الممثل لروح الثورة والقادر على تحقيق أهدافها بعد الوصول للحكم عن طريق «صندوق الانتخابات» سوف يستمر هذا الارتباك، وسوف يكون الجهد الأساسي هو لمنع الصدام سواء بين أطياف القوى المدنية، أو بين أيٍ منها والجيش.

ولا يحكم حتى يتولى مقاليد الأمور من يستطيع أن يدير، وأن يحكم، وأن يستكمل تحقيق أهداف الثورة.