تأتي ذكرى الثورة العربية الكبرى (ثورة 23 يوليو) هذا العام وسط عاصفة الثورات العربية التي تجتاح المنطقة، تنشر الأمل وتثير المخاوف وتضع المستقبل كله موضع التساؤل!

في مصر، وبعد ما يقرب من نصف عام على ثورة يناير، وفي مشهد يسوده الارتباك وينفتح على كافة الاحتمالات، تأتي ذكرى يوليو لتشير إلى أنها مازالت مركز الصراع الذي ستقرر نتيجته مسار الأحداث في مصر، وفي العالم العربي.

لم يكن سهلاً على قوى كثيرة داخل وخارج مصر أن تبتلع حقيقة أن الصورة الوحيدة التي ارتفعت في ميادين التحرير أثناء ثورة يناير (بخلاف صور الشهداء) كانت صورة جمال عبد الناصر، وكان جزءاً من المفاجأة أن ملايين الشباب التي ملأت الميادين لم تعش عهد عبد الناصر، ولم تعاصر إلا حملات الهجوم عليه والانقلاب على سياساته.

ولم يكن سهلاً على قوى كثيرة في الداخل والخارج أن تلحظ أن مصر التي تولد في ميادين التحرير إنما تعود إلى حقيقتها وتكشف عن وجهها الذي افتقده العرب فخسروا الكثير، وافتقدته مصر فخسرت أكثر.

وعندما التحقت بعض قوى الداخل بثورة يناير بعد ان كانت تحكم عليها بالكفر أو الخيانة، لم يكن ذلك بالطبع اختياراً لوجه مصر الحديث الذي استعادته بتوجهاته الاجتماعية وانحيازه القومي.

وعندما سارعت الإدارة الأميركية بالإشادة بتحرك شعب مصر والشعوب العربية في ربيع الثورات، بعد طول انحياز لأنظمة سقطت أو في طريقها للسقوط، لم يكن ذلك إيماناً بالديمقراطية ولا تأييداً لعودة نهج حاربته منذ عشرات السنين ولم تزل، انطلاقاً من استراتيجية ثابتة ترفض «العروبة» وتعتبر وحدة العرب خطراً على إسرائيل وتهديداً لمصالح أميركا وحلفائها.

عندما ننظر في المشهد الآن بعد هذه الشهور الصعبة التي مرت بها مصر بعد ثورة يناير، ندرك أن الصراع لم يهدأ ولن يتوقف، وأن محوراً أساسياً لهذا الصراع كان قتال هذه القوى في الداخل والخارج من أجل «التبشير!!» بأن ثورة يناير هي إعلان للقطيعة مع ثورة يوليو وشطب ستين عاماً من تاريخ مصر وتاريخ العرب!

والحجة التي تقال هنا هي إنهاء «حكم العسكر» وهو ما يمكن أن يثار في أي بلد آخر وليس في مصر، التي كان الجيش فيها على الدوام جزءاً من الحركة الوطنية وعنواناً للاستقلال بعد قرون طويلة كان المصريون فيها ممنوعين من حمل السلاح والانخراط في قيادة الجيش التي كانت حكراً على الأتراك والمماليك وجيوش الاحتلال. ومنذ أن أسقطت الحركة الوطنية هذا الإقصاء المهين، والجيش في مصر هو جيش الوطنية المصرية منذ ثورة عرابي في نهاية القرن التاسع عشر وحتى الآن.

ولقد كان هذا ما استوعبه عميد الأدب العربي طه حسين الذي كان أول من قال إن حركة الضباط الأحرار في يوليو 52 هي «ثورة» وهو ما تحقق بالفعل حين اكتسب تحرك الضباط الأحرار تأييد الشعب كله. وحين تتابعت القرارات لترسم معالم المشروع الوطني لمصر بكل توجهاته الداخلية نحو العدالة الاجتماعية والنهضة والاستقلال وبكل أبعاده العربية وطموحاته القومية.

بالطبع كانت هناك مشكلة في اعتماد نظام الحزب الواحد التي كانت سائدة في الدول حديثة الاستقلال وقتئذ. وكان هناك دور للجيش، ولكنه لم يكن حكم العسكر الذي عرفته دول كثيرة كان الجيش فيها هو العدو للحركة الوطنية، القامع للشعب، العميل لقوى كبرى يخدم مصالحها على حساب استقلال الوطن وكرامة أبنائه.

الآن الجيش يتولى السلطة بعد أن حسم الأمر لمصلحة الثورة لتتم الإطاحة بمبارك، وهو لا يملك خبرة الحكم لأنه لم يكن يحكم ولم يكن مستعداً لذلك، وبالتالي حفلت الشهور الماضية بالارتباك الذي ساعدت عليه رغبة الجيش في إنهاء مهمته الانتقالية بسرعة وقبل استكمال استحقاقات المرحلة. كما ساعد عليه انقسام القوى المدنية وتعثر الجهود للتوصل إلى التوافق بينها.

لكن الأخطر هي هذه الهجمة المشبوهة لجر البلاد إلى صدام بين قوى الثورة (أو بعضها) وبين الجيش. والتي ترافقها جهود حثيثة لاستقطاب شباب من قوى الثورة، وأموال أجنبية تنفق ببذخ شديد، ومحاولات خطيرة للاقتراب من مناطق لا يمكن التساهل فيها مثل الحديث عن تعطيل الملاحة في قناة السويس الذي يحاول البعض إلصاقه بقوى الثورة.

في المقابل يبدو ذلك كله خارج النص الأصلي للثورة بالنسبة للغالبية العظمى من الشعب التي ترى ان إسقاطها لنظام مبارك كان انتصاراً لثورة يوليو التي تم الانقلاب عليها منذ ما بعد حرب أكتوبر. والتي تدرك أن إرث يوليو ليس ملكاً خاصاً لأحد، بل هو حصيلة نضال شعب مصر الطويل وتضحياته الهائلة. وأن يوليو ليست الجيش، بل الشعب الذي حولها من «حركة» إلى ثورة، وليست «حكم العسكر» بل المشروع الوطني بأبعاده القومية وبرؤيته المنحازة للعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني وللدولة المدنية الحديثة.

ولا أحد بالطبع يريد استنساخ الماضي، أو تكرار الأخطاء وأولها وأخطرها ما يتعلق بقضية الديمقراطية. ولكن الناس تعرف أن قوى الداخل والخارج التي تريد أن تكون ثورة يناير هي القطيعة الكاملة مع يوليو لا تهمهم الديمقراطية من قريب أو بعيد وهم الذين تحالفوا مع اعتي نظم الاستبداد في المنطقة وفي العالم، وأن الثأر المطلوب هو من مشروع وطني كان يستهدف الاستقلال والتقدم ووحدة العرب ونهضتهم وكل ذلك مازال ــ عند هؤلاء ــ في قائمة الممنوعات.