في كتابه «صدمة المستقبل" أفرد عالم الاجتماع الأمريكي «إلفن توفلر" فصلا كاملاً عن من أسماهم الرحل الجدد (the new Nomads)، بما يفيد أن نمط الحياة البدويه والترحال مع قطعان الماشية طلبا للماء والكلأ، كاد أن ينقرض مع تراجع أساليب البداوة، وظهور الحياة الحضرية التي مكنت البدو من الاستقرار..

فإذا به، دون الإشارة للعرب أو مواطني دول الخليج تحديدا، يؤكد أن البداوة ما زالت موجودة، لكنها لبست ثوباً جديداً، وأن كل الذي حدث هو أن أفراد المجتمع الحضري، تخلوا عن الترحال بالجمال إلى السفر إلى أقاصي أرض الله بالطائرات.. وليس بحثا عن الماء والكلأ، بل من أجل الترفيه والراحة والاستجمام، والتلذذ بمباهج الحياة مهما بلغت كلفتها.

أسوق هذه الوقائع وأمامي هرولة مئات المسافرين المغادرين، وهم يصطفون في انتظار لحظة المغادرة. ومع أنني لم أكن واحدة من المسافرين، بدا لي المشهد في صالة المودعين وكأن هنالك حالة رحيل أو هروب جماعي من البلاد، مع قناعتي بأن حرارة الجو وحق الانتفاع بالإجازة قد يكون سببا وراء هذه الهجرة الجماعية، إلا أنني أشفقت على أجدادنا الذين لم يألفوا إلا إيقاع حياتهم تلك ولسنوات، عبر تحالفهم مع بيئة الصحراء وارتباطهم الشديد بها..

فإذا بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، بل وأساليب المعيشة قد تغيرت رأساً على عقب.. وها نحن نعيش نفس البداوة، ولكن بشكلها الجديد. لفت نظري ما أوردته إحدى صحفنا المحلية بالبنط العريض، من أن سكان الإمارات ينفقون 24.2 مليار درهم سنويا لقضاء عطلاتهم في الخارج! عندها دار في خاطري سؤال؛ هل أصبحت البداوة باهظة إلى هذا الحد؟

وفي تفاصيل الخبر أن 20% من المواطنين يسافرون خمس مرات في السنه للترفيه خارج الدولة، مما جعل شركات الطيران ووكالات السفر والسياحة تتبارى في الإعلان عن المزايا التفضيلية التي تمنحها لطالبي السفر. فمثلا في مطلع يونيو المنصرم، أي مع بداية موسم الإجازات، تم الإعلان عن مهرجان «اكتشف العالم"، لجذب الراغبين في السفر إلى حيث مراتع المتعة والترفيه.

بما في ذلك الإقامة في أفخر الفنادق أو المنتجعات الصحية.. وأعلن قسم السفر والترفيه في المهرجان عن العديد من الخيارات في جميع أنحاء العالم، لجميع زوار المهرجان.. تشمل عروض الأزياء والمجوهرات والساعات ومنتجات أرقى بيوت الموضة والتجميل، التي تقدم خدماتها للسائح حتى داخل الأجنحة الخاصة.. كما يتم تنظيم جولات سياحية للتعرف أكثر على أماكن بعينها.. ومهرجان «اكتشف العالم" قصد منه تشجيع السياحة الداخلية، لكنه يروج لمفاهيم صناعة السفر والسياحة المطلقة، أي الإقليمية والدولية.

يشير التقرير المنشور إلى أن البدو الجدد يذهبون في رحلتين على الأقل في السنة، وفي ذلك فرصة لاستقطابهم للسفر إلى أماكن جديدة يتوفر فيها مزيد من «العشب والكلأ"!! أو بعبارة أخرى؛ مزيد من الراحة والاستجمام. لقد أصبحت السياحة صناعة أحد أهم مصادر الدخل الداعم لاقتصاديات الدول، بل هنالك دول تعتمد على السياحة كمصدرأساسي، بربطها بأنشطة تجارية واستثمارية وخدمية أخرى.

ويفيد تقرير منشور آخر أن حمى الرحيل والسفر لم تخف بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية.. فعلى المستوى العالمي بلغ عدد السياح الدوليين المتنقلين 924 مليون سائح في عام 2008، بزيادة 16 مليونا عن عام 2007.. وأن قطاع السياحة لم تلحق به الأزمة الاقتصادية كما فعلت بقطاعات أخرى، مثل قطاع البناء والتشييد والعقارات وصناعة السيارات.. ويكفي القول إن عائدات السياحة الدولية بلغت في عام 2007 حوالي 735 مليار دولار، وفقا لمنظمة السياحة الدولية التابعة للأمم المتحدة، بنسبة نمو وصل إلى 5%.. فصناعة السياحة تعتبر إحدى أكثر الصناعات نموا في العالم، إذ توفر حوالي 200 مليون وظيفة على الصعيد الدولي.

ما يهمنا من كل ما تقدم، هو أن هدراً من المال والصحة والإعياء، يتسبب فيه سفر هذا الكم الهائل من المواطنين بهذه الكثافة.. مما يجعلنا نهمس في أذن المسؤولين عن قطاع السياحة في الدولة، بضرورة إجراء مسح عن واقع السياحة وآثارها على الاقتصاد وعلى المجتمع، والكيفية التي يمكن أن نقلل بها هذه الهجرة الجماعية.. إننا في أمس الحاجة إلى مزيد من الجهود لترشيد الإنفاق من جهة، ومن جهة أخرى لتطوير السياحة الداخلية.. والأهم من ذلك هو تنظيم دورات تدريبية مكثفة، وتوزيع كتيبات ونشرات تعرف وتزود الشباب من المواطنين بالإرشادات الضرورية ليكونوا سفراء لبلدهم أينما يذهبون..

وضرورة تحاشي الأماكن المشبوهة وتفادي الابتزاز وإغراءات مروجي المواد المخدرة، الذين يتصيدون السياح العرب بطرق احتيال جاذبة ووهمية.. ومن جهة أخرى، على قطاع السياحة في الدولة الترويج لثقافة سياحة الصحراء، عبر بناء الفنادق والمنتجعات والاستراحات، مثل قصر السراب في واحة ليوا ومشروعات الجزر السياحية والواحات.. حتى تصبح بلادنا وجهة جاذبة لنا ولغيرنا، لتعزيزموقع التنمية السياحية للإسهام في مسيرة التنمية المستدامة في هذا الوطن المعطاء.