الوثيقة الخطيرة التي أطلقها الإمام شيخ الجامع الأزهر الشريف قبل أيام حول الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة في مصر، سوف تأخذ مكانها بالتأكيد كواحدة من الخطوات الهامة نحو تجديد الفكر الإسلامي.

وسوف تفرض نفسها على الحوار الدائر حول سبل خروج أمتنا من اثار التخلف وهجمة المتطرفين وسعي الذين لا يريدون ان يغادروا ظلام القرون الوسطى إلى أنوار النهضة والتقدم والحداثة التي تستحقها خير أمة أخرجت للناس حين تؤمن بالعلم وتحترم العقل وتنهض للعمل وتفتح أبواب الاجتهاد وتستعيد أعظم القيم التي بشر بها الإسلام، حرية الإنسان وكرامته وإطلاق كل طاقاته ليحقق التقدم وينشر العدل وينعم بالمساواة. وثيقة الأزهر تأتي بعد فترة عصيبة مرت بها قيادة هذه المؤسسة الدينية الكبيرة في ظل الثورة وفي أعقابها. حيث واجهت اتهامات بأنها لم تحسم أمرها أو تعلن انحيازها الكامل للثورة منذ البداية، واكتفت بمراقبة الموقف والدعوة للتعقل وتجنب الانزلاق إلى الفوضى.

وأيا كان الأمر، فإن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب استطاع تجاوز هذه الظروف وتمكن من التعامل مع مستجدات الموقف، وساعدته تطورات الأحداث حيث صب صعود التيارات الاسلامية في صف موقف يدعو لتقوية مؤسسة الأزهر واستقلالها، بينما أدى اندلاع الصراعات بين المعتدلين والمتشددين في هذه التيارات إلى وجود مساحة لدور يلعبه الأزهر في تهدئة هذه الصراعات والتنسيق بين هذه الجماعات.

وفي نفس الوقت استطاعت قيادة الأزهر أن تجد مساحة للحوار مع مثقفين من مختلف التيارات الفكرية والسياسية الذين أفزعتهم هجمة المتشددين والمتطرفين الذين خرجوا فجأة بعد الثورة يطلقون دعاوى التكفير حتي في وجه الاسلاميين المعتدلين. ولعله من المهم الإشارة إلى أن الوثيقة الهامة التي أصدرها شيخ الأزهر.

مؤخراً كانت نتيجة حوارات شارك فيها مثقفون ليبراليون ويساريون وعلمانيون، مسلمون وأيضا أقباط، وجدوا جميعاً ان مظلة الأزهر الشريف هي الأفضل للتعبير عن هذا الموقف الفكري الرشيد في هذه اللحظات المرتبكة في تاريح الوطن.

ولعل أحد العوامل التي أكسبت الوثيقة أهميتها هي أنها حصيلة مشاركة رجال الأزهر مع المفكرين من مختلف الاتجاهات، وهو الأمر الذي أكسبها طابعها «الوطني» الأشمل بدلاً من أن تكون مجرد «فتوى» دينية في زمن تعددت فيه الفتاوى وغابت الاجتهادات الحقيقية.

ولم يكن الوصول إلى الوثيقة سهلاً، وعلى سبيل المثال فقد كاد الأمر يتوقف مع إصرار فريق على رفض أي ذكر للدولة «المدنية» التي اعتبرها الفريق الآخر أساس الوثيقة الذي لا غنى عنه. ورغم أن الأمر انتهى بعدم النص على «مدنية» الدولة، إلا ان الوثيقة استبدلت بذلك التأكيد على «الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة»، مع التأكيد على رفض فكرة الدولة الكهنوتية المتسلطة على الناس باسم الدين.

ورغم أن البعض خرج بعد إعلان الوثيقة يهلل لانتصار وهمي، فإنه كان يعلم جيداً أن ما جاء في الوثيقة لا يعني إلا شيئاً واحداً هو «مدنية الدولة» التي تعتمد دستوراً يضمن المساواة بين المواطنين، والتي ترفض التمييز بين مواطنيها على أساس الدين أو النوع أو الجنس.

والتي تترك سلطة التشريع لنواب الشعب بما لا يتعارض مع أحكام الدين، والتي تعتبر إثارة الفتنة الطائفية وإطلاق أحكام التكفير والتخوين جرائم في حق الوطن، والتي تحسم باسم الأزهر الشريف قضية الديمقراطية بدون لف أو دوران فتؤكد ان الدولة الحديثة في مصر ستقوم على «النظام السياسي الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر».

ورغم أي ملاحظات، فإننا أمام وثيقة تمثل انتصاراً لصوت العقل، واستعادة لدور الأزهر في مساندة النهوض العربي والإسلامي، واستئنافاً لمسيرة طويلة كان فيها الفكر الإسلامي رفيقاً للحركة الوطنية وليس معطلاً لها كما يريده المتنطعون ودعاة التخلف.

ونحن أمام وثيقة لا تتهرب من استحقاقات الديمقراطية، وتؤكد على أن «المواطنة مناط التكليف والمسؤولية» وتدعو باسم الأزهر الشريف إلى «الدولة الوطنية الديمقراطية » في وقت تتبارى بعض التيارات) التي تزعم الحديث باسم الإسلام ) في إطلاق الدعاوي لحكم هارون الرشيد أو اعتبار الدولة الوطنية ضد الإسلام، أو إعادة الحديث المبتذل عن فرض «الجزية» على مواطنين مصريين، أو رفض وجودهم في الجيش، أو مطالبتهم بالهجرة من وطنهم!!

بالطبع لن توقف الوثيقة التيارات المتشددة عن المضي في طريقها ومواصلة نهجها المتشدد، ولكنها تخلق مساحة واسعة للتوافق بين التيارات الاسلامية المعتدلة وبين التيارات الليبرالية والقومية واليسارية إذا خلصت النوايا، وتعطى مساندة قوية لجهود محاصة الفتنة الطائفية التي تشعلها تيارات تعبث بمقدرات الوطن وتغذيها مؤامرات خارجية تدرك أن هذه هي المنطقة الحرجة التي يمكن مهاجمة مصر منها. والوثيقة التي تحتاج لنقاش واسع يصل بها الى الرأي العام في كل أقطارنا العربية.

والتي تحتاج أيضاً لجهد دؤوب لتفعيلها وضمان عدم الالتفاف عليها في مصر، لابد من التأكيد على نقطة هامة بخصوصها، فهي وإن كانت لصيقة بما يجرى في الساحة السياسية المصرية الآن، إلا أن النظرة إليها ينبغي أن تظل في اطار أنها وثيقة فكرية تعكس روح العصر وحقيقة الإسلام وضرورة الاجتهاد والتجديد وتسعى للاجماع الوطني على ما يحفظ مصالح الناس ويبني الدولة الحديثة التي تستهدفها الثورة.

هذا الجهد الوطني من جانب الازهر الشريف ينبغي أن يظل بعيدا عن الصراعات السياسية والعمل الحزبي، وأن يبقى فوق ذلك كله يبحث عن المشترك ويوسع من مساحات التفاهم، ويوجه الجميع إلى أن الوطن فوق الجميع، وأن جوهر الإسلام هو العدل والحرية والمساواة بين أبناء الوطن.

إنها رياح الثورة تعيد للأزهر الشريف دوراً افتقدناه كثيراً فتنطلق منه الدعوة للدولة المدنية وللديمقراطية والمواطنة الحقيقية وتجعل من تحقيق ذلك كله واجباً شرعياً على كل المسلمين.