في بداية جولته الخليجية الثانية جاءت زيارة الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء المصري لدولة الإمارات انطلاقا من الروابط التاريخية التي جمعت البلدين الشقيقين معا في العديد من المواقف المشتركة دفاعاً عن قضايا الأمة العربية والإسلامية سواء في حرب رمضان المجيدة أو حرب تحرير الكويت، ولتعميق العلاقات الأخوية بين الشعبين العربيين في مصر العربية والإمارات العربية، ولفتح صفحة جديدة من التعاون المشترك، والتفاهم المتبادل بين قيادة البلدين بما يحقق الخير المشترك للشعبين الشقيقين، خصوصاً بعد المتغيرات السياسية التي تشهدها الساحة المصرية على مدى الشهور الستة الماضية.

وخلال استقباله للضيف المصري أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة أن «الإمارات ومصر لطالما كانتا تشكلان نموذجا في العلاقات الأخوية المتميزة في مختلف الظروف والمشاهد السياسية الإقليمية والدولية، وأن مستقبل هذه العلاقات يبنى على الروابط الأخوية التاريخية بين شعبي البلدين الشقيقين»، مضيفاً أن «المتغيرات التي تشهدها الساحة السياسية في مصر تبعث بالثقة والتفاؤل بأبنائها الأوفياء والمخلصين على بلدهم بما يكفل لها المحافظة على دورها الريادي والمحوري إقليمياً ودولياً ويجسد في الوقت ذاته عمقها الإستراتيجي بين أشقائها في الوطن العربي.

مؤكداً حرص الإمارات على دعم مصر «ومساندتها خلال هذه المرحلة التي تشكل منعطفاً هاماً في مسيرة حكومتها وشعبها بما يصون لها مكاسبها وإنجازاتها وتطلعاتها نحو غد أفضل، ومترجما هذا الحرص وهذا الدعم، باعتماد حزمة مساعدات مالية لمصر بمبلغ ثلاثة مليارات دولار. شاملة إنشاء صندوق خليفة بن زايد لدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة في مصر بمبلغ مليار ونصف مليار دولار وذلك بهدف توفير فرص عمل لقطاع واسع من الشباب المصري». إضافة إلى اعتماد مبلغ 750 مليون دولار كمنحة لبناء مشاريع إسكان للشباب وبنيتها التحتية واعتماد مبلغ مماثل كقروض ميسرة لمشاريع مختلفة يتم تنفيذها في مصر.

وفي الواقع فإن هذا الدعم الإماراتي في هذه الظروف الانتقالية التي تشهدها مصر ليس غريبا على الإمارات ولا على قادتها الأشقاء، بل إنها تأتي امتدادا للمواقف التاريخية المشهودة للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، دعما لمصر ولكل الأشقاء العرب والمسلمين، ولا ينسى له الشعب المصري موقفه الشجاع في حرب رمضان المجيدة حينما بادر بقطع البترول عن الدول المساندة للعدوان وقال قولته المشهورة: «إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي». وقد حرص الدكتور شرف على زيارة جامع الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي، وقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة، ودعا الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين.

لقد جاءت هذه الجولة الخليجية الثانية التي شملت البحرين إلى جانب الإمارات استكمالا للجولة الأولى التي زار فيها شرف السعودية والكويت وقطر تأكيدا على استمرار العلاقات الأخوية المصرية الخليجية بعد الثورة المصرية، في إشارة إلى الاهتمام المصري التاريخي بتقوية العلاقات المصرية الخليجية لصالح الأمن القومي العربي.

وهو ما أكده المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية منذ البداية بقوله أن «العلاقات التاريخية التي تربط مصر مع الإمارات ومع دول الخليج هي علاقات تاريخية ممتدة عبر الزمن، وتنبع من إيمان مصر بعروبتها ودورها القومي في الحفاظ على أمن أشقائها في الخليج، الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي».

فيما أكد الدكتور عصام شرف إن مصر الثورة تنظر إلي دول الخليج العربية باعتبارها عمقا استراتيجيا أساسيا للأمن القومي المصري، وتعتبر أن الاستقرار في الخليج يمثل التزاما قوميا وضرورة استراتيجية لمصر، كما أن الالتزام بوحدة وسلامة أراضي دول الخليج هو من أهم ثوابت وأولويات السياسة الخارجية المصرية التي تعتبر أن أمن واستقرار وعروبة دول الخليج وسيادتها خطوطا حمراء. وقال شرف:إن مصر تمد يدها لكل الأشقاء العرب، وأن جولته الخليجية تأتي لتعزيز العلاقات التاريخية التي تربط بين مصر ودول الخليج العربية بصفة عامة، علي جميع الأصعدة، وتدشينا جديدا لعلاقات مصر الثورة مع الدول الخليجية في إطار العلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تربط مصر ودول الخليج علي مر السنين.

إن هذا الدور الإقليمي المصري وهذا الالتزام العربي وهذا التحرك السياسي ليس وليد اليوم ولا وليد الظروف الاستثنائية العربية التي نمر بها، وإنما تنطلق من الثوابت المبدئية التي تحدد مسارات السياسة الخارجية المصرية من خلال دوائرها الثلاث التي رسمتها ثورة 23 يوليو المصرية وهي الدائرة العربية والإسلامية والأفريقية.

وجاءت ثورة يناير المصرية لتستأنف السير في مساراتها، فبدأ التحرك المصري لتصحيح مسارات السياسة السابقة أولا باتجاه الدائرة العربية، فكان السودان العربي وكانت العربية السعودية ودول الخليج هي أولى محطات هذا التحرك الجديد، ومن هنا أيضا كانت الدائرة الأفريقية هي المحور الثاني للتحرك المصري فكانت إثيوبيا وأوغندا والحضور المصري في القمة الأفريقية بغينيا هي ثاني المحطات، وكان الحضور المصري في منظمة التعاون الإسلامي والحرص على فتح صفحة جديدة مع كافة الدول الإسلامية بما فيها إيران هي ثالث المحطات. غير أن العلاقة بين مصر والعرب علاقة خاصة وأخوية من هاجر المصرية أم كل العرب أم إسماعيل جد كل العرب من الخليج إلى المحيط، ولهذا لم يكن غريبا ما يردده الأشقاء العرب بالقول «مصر بخير .. العرب بخير»، كما كان طبيعيا أن تكون مصر بخير طالما كان العرب بخير، وبلاد العرب والمسلمين بأمن وتنمية وباستقلال وحرية.