«إسقاط الفصائل» مسار تدميري أم إصلاح ديمقراطي؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

تأثراً وامتداداً لما بات يسمى "ثورة الربيع العربي"، أصبح شعار "الشعب يريد إسقاط الفصائل" مستخدماً بكثرة داخل أوساط قطاعات من الشباب الفلسطيني، حيث بدا شعاراً "لماعاً وبراقاً وجذاباً" لقطاعات منهم، فساد هو الآخر في المخيمات الفلسطينية، وشكّل عنصراً تحفيزياً هاماً في استيلاد قوة الاندفاع لدى بعض قطاعات الشباب.

وبالطبع، لا مشكلة هامة في طرح موقف أو شعار من نمط "الشعب يريد إسقاط الفصائل"، لكن المشكلة تقع حين يتم استيلاد هذا الشعار ومحاولة ترجمته واقعا، عبر مسلكيات وخطوات "عدمية" تفتح الطريق أمام سيلان الدم الفلسطيني، وتتخطى حرمة الأملاك العامة الشخصية، وهو ما وقع بالضبط يوم السادس من يوليو في مخيم اليرموك، عندما هوجمت وأحرقت مقرات فلسطينية، ومنها مقر "الخالصة" الخدماتي والاجتماعي التابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة).

إن "شعار الشعب يريد إسقاط الفصائل"، وبغض النظر عن الحجج والدوافع التي يتسلح بها أصحابه، وعن تعبيراته التي تعكس تململاً في صفوف الناس وابتعاداً منهم عن غالبية القوى والفصائل، يفترض في رافعيه اتخاذ الطريق الحضاري الذي يؤمن العناصر اللازمة لإنجاح هذا الشعار، وصولاً إلى مبتغاه في مشوار قد يطول، لكنه هو المشوار الصحيح الذي يضمن وصول الناس إلى تحقيق قدر معقول مما يصبون إليه من تغيير ديمقراطي حقيقي منشود، طالما سعينا إليه في الساحة الفلسطينية كمواطنين وككوادر في مختلف الفصائل.

فـ"إسقاط الفصائل" وإعادة بناء البدائل، لا تتم إلا بفعل عمل ديمقراطي حقيقي، وبنفس صبور ومثابر، دون اللجوء إلى مغامرات قاتلة ومؤذية، قد تتسبب في هدر الدماء وإراقتها، وتدمير المجتمع المحلي، حتى وإن بدا هذا أمرا صعباً وقاسياً للوهلة الأولى في ظل معادلة فلسطينية معقدة.

لقد ألقيت على مقر "الخالصة" زجاجات مولوتوف، وجرار غاز انفجرت واحدة منها بين المنازل، وأحرقت سيارات لمدنيين إضافة لسيارات القيادة العامة، وسرق ونهب بعض البيوت.. فهل هذه المسلكيات تفتح الطريق أمام البديل الذي يتوخاه أصحاب شعار "الشعب يريد إسقاط الفصائل"؟

نعم، الفصائل تتحمل مسؤولية أساسية في سيادة روح اليأس والإحباط لدى قطاعات من الشباب، وسيادة روح التذمر الشديدة، وتحجر بناها وفقدانها للعلاقات الصحيحة والمحترمة مع الناس... الخ. لكن علينا في المقابل أن نتحدث بلغة مقنعة تتجاوز العموميات وعبارات "يجب ويجب ويجب.."، عند الحديث عن الفصائل، فتلك عبارات قسرية وقهرية واستبدادية في جوهرها.

وعلينا أن نكف أيضاً عن "دغدغة" مشاعر هؤلاء الشبان الذين يتمتعون بمصداقية وطنية حقة، وغالبيتهم لم تشارك في ما حدث من محنة مخيم اليرموك، وقد شعرت بعد أن انجلى غبار الأحداث، بهول ما وقع، وما كان ممكناً أن يتلو الأحداث إياها.

فالحديث النقدي المطلوب والضروري، والمتعلق بمسارات ومآلات الساحة الفلسطينية وفصائلها، بكافة تلاوينها الأيديولوجية والسياسية، يفترض أن يبتعد عن تأجيج الفتن وبث أجواء ومناخات التحريض، واستيراد آثام الماضي القديم بهدف إشعال الحاضر..

إن الحديث الصريح والواضح مع هؤلاء الشبان، هو في "الاستقامة الحقة" التي تحفظ مصالح الشعب الفلسطيني، وتبتعد عن التثمير الرخيص أو تصفية حسابات سياسية أو فصائلية أو شخصية، بفعل "أثر رجعي"، أو بفعل أحقاد كامنة عند البعض من الأطراف التي تصارعت في سنوات غابرة.

إن الإثارة والتهييج والتحريض غير المسؤول، وهو تحريض مقصود في معظمه (قد يكون تصفية حسابات سياسية وغير سياسية وحتى شخصية)، لا يقود إلا إلى الدمار والتخريب، والإساءة لشعارات التغيير التي رفع لواءها هؤلاء الشبان، وهم يستلهمون الدروس الإيجابية من هبات الربيع العربي التي وقعت على امتداد الأرض العربية.

إنني من خارج الفصائل منذ قرابة عقد من الزمن، ومع هذا أقول بكل موضوعية: إن شعار "الشعب يريد إسقاط الفصائل" يحمل في طياته معنى تغييريا وإيجابيا، ومعنى عميقا جدا، ونبيلا جداً، إذا تم الأخذ بناصيته لإعادة بناء مجمل الحالة الفلسطينية بنفس صبور ومثابر وحضاري. فالطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الطيبة، وإذا كان الطريق إلى "إسقاط الفصائل" يتم عبر مسلكيات تماثل ما حصل في مخيم اليرموك مؤخرا، فعلى هذا الشعار السلام، وعندها ستجد الناس وقد أدانت أصحابه وانفضت عنهم.

إن الفصائل تتحمل، ولو بتفاوت، مسؤولية الواقع الافتراقي الذي يعيشه فلسطينيو سوريا عن معظم تلك الفصائل. فالفلسطينيون في سوريا كانوا وما زالوا على الدوام في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، إلا أن حالة التذمر والابتعاد عن الفصائل التي باتوا يعيشونها منذ زمن، تفترض على كل الفصائل العودة لدراسة الأسباب، وتغيير ذاتها.

إن الشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل نشوء واندلاع فتن داخلية قاتلة، وشعار التغيير هو مطلب حق، لكن يجب أن لا يتحول إلى شرارة جديدة لانطلاق اقتتال داخلي أو تدمير ذاتي في البيت الفلسطيني. فطريق الإصلاح والتجديد يمر عبر العمل الديمقراطي والحضاري في صفوف الناس.. بصبر ودأب.

 

طباعة Email