لم تكن خطوة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، باستحداث وحدة تنظيمية تحت مسمى "مركز وزارة الداخلية لحماية الطفل"، سوى حلقة في سلسلة النور الحضاري التي التزمت بمسيرتها دولة الإمارات، ناظرة إلى الأفق النهضوي الراقي الحريص على مكتسبات الحضارة، البصير بمآلات الشعوب وبنائها، ومكامن قوة المجتمعات ومصدر حصانتها.
هي خطوة في تفصيلها حماية للطفل من الأذى وحماية شخصيته من أن تهان أو ينال منها، وصيانة حياته من أن تخدشها يد الإثم فتسرق براءتها وتحطم رغبتها في الحياة وانطلاقها نحو المستقبل، إلا أنها تحمل في مدلولاتها العميقة وأبعادها وآثارها، وقاية اجتماعية تضمن إكسير المجتمع من أن ينكسر، وتصون جوهر الحياة من أن تنفصم عراها.
والحقيقة أن عجلة التنمية لا تسير حثيثة نحو مقاصدها، ما لم تكن مكتملة العناصر، دقيقة الأركان، مهتمة بتفاصيل الحياة اهتمامها بوجودها ذاته، وإلا فإن وجد أي خلل في ركن من أركانها فمصيرها إلى الفشل والجمود، ولن تكون التنمية ثمرتها، بل ستكون الفوضى هي النتيجة..
والتنمية الاجتماعية هي القرينة الحقيقية لكل أشكال التنمية الأخرى، وتدور رحاها حول الأسرة، والأسرة محاضن الأطفال، فإن كانت التنشئة سوية مستقيمة مصونة كان المجتمع سوياً مستقيماً مصوناً، وإن كان خلاف ذلك فلن يحصد المستقبل إلا الألم والاضطراب.
وبداية لا بد من التأكيد على أمر مهم، وهو أن إنشاء وحدة تعنى بحماية الطفل في وزارة الداخلية، لا يعني أبداً أن حقوق الطفل قبل ذلك كانت مهدرة مهملة، إلا أن الأمر لا يعدو كونه اختصاصاً وزيادة اهتمام لهذا العنصر الاجتماعي المهم، صنيع الحضارة في مستقبلنا، كما أن الشباب هم صانعو الحضارة في واقعنا، ولن تستطيع أمة من الأمم أن تضمن دوام سيرها في طريق النهضة على مدى الأجيال، ما لم تكن لها من الرصيد الإنساني ذخيرة مكتنزة لدى الأطفال، تمد المجتمع بعصب الحياة، وتمثل أصالته وهويته وكيانه.
غير أن مفهوم حماية الطفل في معناه الفلسفي يتجاوز حدود الحماية الجسدية البحتة، من أذى أو عنف أو هتك، أو شتى صنوف الانتقاص المادي المحسوس، ليكون مصطلح حماية الطفل منظومة متكاملة؛ نفسية واجتماعية وعاطفية وشخصية، فضلاً عن الحماية المادية التي لا نقلل من شأنها أبداً.
عند هذا المفهوم المطلق لمعنى حماية الطفل، يدخل في جنود الحماية جميع مكونات المجتمع، بدءاً من الأسرة والوالدين، إلى المدرسة والمجتمع، إلى الإعلام بألوانه، والمؤسسات بأطيافها.
وإلى هذه القاعدة العريضة يستند مفهوم حماية الطفل، ليغدو حماية من جميع أشكال العنف، ومنح الطفل حقه المصون في الرعاية، وأخذ جميع سبل الحماية الممكنة، الأمنية والاجتماعية والتعليمية، ولتجنيب الطفل الضرر أو الإساءة البدنية أو الإهمال، وتشجيعه على تكوين شخصيته السوية القائمة على احترام حقه في الحياة والعيش الكريم، وتنشئته على الاعتزاز بهويته الوطنية، وتراثه ومجتمعه، لا أن يكون الطفل خصماً لمجتمعه.
وحماية الطفل أيضاً لها حلقة أقرب من ذلك، ألا وهي حمايته من ذاته، ومن أن يكون عرضة لمصائد الآخرين، لا سيما وأن الواقع المعلوماتي والفضائي جعل الطفل سلعة اقتصادية يمكن نهبها من بين أيدي والديه.
والمجتمع حين يضع نفسه في موضع تقدير للطفل وحقوقه، تغدو مسألة حمايته واجباً متكاملاً، وتصبح فرص النيل منه ضئيلة، بل ومعدومة. ومجتمع الإمارات وما يفخر به من اعتزاز بأصالته وهويته وجذوره، ينظر إلى الطفل على أنه رجل المستقبل، له كرامته وشخصيته، وله أهدافه التي لو صغرت في أعيننا، فإنها كبيرة في مقاييس طموحه.
نحيي اللفتة الكريمة للفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، ونستثير في المجتمع بكل مؤسساته تجنيداً حقيقياً لفكرة حماية الطفل، ونعلم أن الداخلية ستعطي هذا الأمر أقصى ما يحتاج من الرعاية وضمان النجاح، عبر التنسيق مع الجهات والمؤسسات الأمنية العاملة على المستوى المحلي والعربي والعالمي، لتكون في ذروة نجاحها، وسيرافق ذلك بلا شك تكثيف حملات الإرشاد.
من خلال إعداد وتطبيق برامج التوعية الاجتماعية والإعلامية، التي تهدف إلى نشر ثقافة حماية الطفل في البيئات التي يترعرع فيها، ونشر الوعي الاجتماعي والأسري بما يكمل هذه الجهود ويضمن لها النجاح المنشود، وبما يضمن بلوغ الإمارات المستوى الحقيقي الذي هي أهل له، من تطبيق حقوق الإنسان وصيانتها وتقديرها.